حكايات لرسم وطن

الاثنين 2014/11/17

ينفق مصطفى الياسين وهو رسام سوري يقيم الآن في النرويج جل وقته في التذكر، في كل مرة ألتقيه تكون حكاياته قد اكتسبت طابعا جديدا، إنه يضيف ويحذف، هناك دائما سطور في إمكانها أن تكون محلا لليقين أو الشك، إنه يراجع دفتره، لا لكي يكون وفيا لمحتويات ذلك الدفتر، بل لكي يخربها، وهو ما يفعله في الرسم تماما.

ابن حمص التي غادرها إلى فنلندا، لا يزال يمسك بالمجداف، كما لو أنه مهدد بالغرق في أية لحظة، لم تغادره كوابيس رحلته، لديه منها حكايات لا تنتهي، غير أنه يعرف أنه كان مستثنى بنجاته، وهو يرسم من أجل أن يثني على لحظة النجاة تلك، سيرى في وضوحه شيئا يقلقه، فهو يرسم من أجل أن يظل متواريا، من أجل أن لا يراه الآخرون باعتباره مهاجرا.

يودّ أن يعتذر بعد كل هذا الشقاء، كيف يمكن أن يكون المرء سوريا، بل حمصيا؟ مصطفى الياسين الذي يقيم في قرية نائية تقع في الشمال الثلجي، هل في إمكانه أن يعيد تعريف الحزن من خلال الرسم؟ سيكون عليه أن يبحث عن ملاذات صامتة للكلام، ما لم يصرخ به سيجد له ممرّا من خلال الرسم.

ما لم نتعلمه من الرسم سيكون علينا أن نتعلمه من مصطفى الياسين، وهو الراهب الذي نذر حياته من أجل الرسم.

هذا شخص استثنائي يعيش ليرسم، يعرف أنه سيظلّ فقيرا ما دام يرسم، مقتنعا أنه اهتدى إلى عالمه الحقيقي، فكرته عن الخلق ترمّم ما اختفى من جناحيه، إنه يحلق في كل رسم.

لا تزال خبرته الواقعية تشي بخياله، ابن حمص كما يتذكرها يسعى إلى إعادة بنائها من خلال الرسم، لن يكون الرسم عدوّا لأحد، مصطفى الياسين لا يبيّت العداء لأحد، إنه يحلم بسوريا كما لو أنها لم تكن لأحد بعينه، يرسم سوريا كما يودّ أن يستعيدها؛ وطنا لحواسه الناضجة..

كاتب من العراق
16