حكايات من الرصيف

الأربعاء 2014/07/23

الأولى كانت سيدة محترمة، معروفة بجمالها ودلالها وسحرها وجاذبيتها، تخطف الألباب وتثير الإعجاب، كانت متزوجة من رجل يحميها ويؤويها، يكسوها ويسترها ويوفّر لها الأمان، كان قاسيا بعض الشيء، قيل إنه مستبد وإنه غير ديمقراطي، وقيل إنه يغار عليها كثيرا، وقيل إنه مصاب بحب التملك، ولا يترك لها فرصة الالتفات إلى غيره، وقيل إنه يضربها أحيانا، ولكنه لا يبخل عليها بالكساء إذا تعرّت، وبالغذاء إذا جاعت، وبالدواء إذا مرضت، وبالماء إذا عطشت، وبالأمان إذا خافت.

وفجأة، ظهر من يدعوها إلى التمرّد، فانتفضت وتمردت، وخرجت عن طاعته، وخلعت نفسها منه، وقالت: حمدا لله أن تحررت من الاستبداد، ونجوت من كلاكل الاستعباد، وماهي إلا أيام حتى انتهى الزاد، واحتاجت إلى الغذاء فوجدت من يساومها عليه، واحتاجت إلى الدواء فلم تجده، واحتاجت إلى الكساء فلم تعثر عليه، والتفتت حولها فرأت العيون تتقاذفها، والأطماع تتخاطفها، وكثرت الأيادي التي تريد المساس بها، وتجند الطامعون فيها لقضاء لحظات متعة عابرة معها، وتاهت بها الركبان، فقالت: يا لقسوة الزمان، كنت أعاني من جبروت رجل واحد، يستبد بي ولكنه يوفّر لي حاجاتي، ثم صرت أمام غابة من الوحوش تتربص بي، وفي الأخير تتركني على الرصيف وحدي.

أما الثانية، فكانت صبية في مقتبل العمر، لها من الجمال والبهاء ما يدير إليها الأعناق، تمتاز بالرشاقة والأناقة والحسن واللباقة، طمع فيها التاجر والمزارع وبائع الخضر والقصّاب والبقّال واليساري الراديكالي والوسطي والليبيرالي، وقال الإسلامي: أتزوجها ولو كانت الرابعة، وأطلّق زوجاتي السابقات من أجل عينيها إذا طلبت، وقال فاقد النخوة: أملكها وأستفيد من جمالها في إدارة شؤون حياتي.

وكانت في كل صباح تنظر في المرآة ملّيا، ثم تقول “ما أجملني في عيون الناس وما أتعسني أمام والدي الذي يمنع عني الحركة والكلام”.

كان والدها ديكتاتورا وغيورا ولكنه كان يوفّر لها حاجات باستثناء الجدل والحوار والسهر خارج البيت والتواصل مع الغرباء، وذات يوم أصيب والدها بمرض، فتجاوزته وخرجت عن سلطته وتحدت وصاياه، وارتمت بين أحضان الطامعين فيها وسارت في دروب الحالمين بها، وبعد أسابيع وأشهر، وجدت نفسها تشكو حالها للغريب، حيث لم يعد لها حبيب ولا قريب، وباتت بلا أب يحنو ولا كبير يرشد ولا أسرة تحضن ولا زاد يشبع من جوع ولا ماء يروي من ظمأ.

الثالثة بلاد وربما بلدان، غرّر بها المغّررون وضحك عليها الضاحكون ولا تزال على الرصيف تعاني من كذبة الحرية الخادعة والديمقراطية الزائفة.

24