حكايات نسائية سورية تواجه الحرب بالذكرى

الاثنين 2018/01/15
لكل امرأة حكايتها

ضمن المسابقة الرسمية لهذه الدورة من المهرجان العربي للمسرح قدّم العرض السوري "هن" نص وإخراج آنا عكاش من المسرح القومي السوري بتونس مؤخرا.

بدأ العرض بالفاتحة ليذهب من بعد في شريط الفيديو إلى أصوات الأذان وسورة يوسف الطالعة من صوامع دمشق، نلاحظ هنا الاستعمال الموظف للدين، فالفاتحة مثلا هي آيات البداية التي تتلى وهي أيضا آيات الختام التي تقرأ على الموتى في المقابر.

تقدّم المسرحية ست نساء يتحدثن في مونولوجات تكمل بعضها البعض، وتنقطع أحيانا ببعض الحوارات، بطل أحاديثهن الرجل الذي ربما يمكننا اختصار اسمه في أحمد وآدم وقابيل، متمثلا في عدة صور، الشاب الابن، الشاب العاشق، الزوج، وفي الباحثين عن المتعة، والمتصارعين بالأسلحة، صنّاع الحرب.

صور الرجل المتعدد كما تقدّمها النساء، تنتقد من خلالها الكثير من القضايا، أولها طبعا الحرب، الحرب التي يخوضها من كانوا بالأمس أطفالا يلعبون في الأزقة لعبة الحرب، فصاروا يلعبون لعبة الجنازة، من كانوا يتقاتلون بمزاح وباتوا يتقاتلون اليوم بالأسلحة ويذبحون بعضهم البعض، مدمرين أزقة مدينتهم.

المدينة هي المدينة الرمز، قاسيون، دمشق، التي تقدّمها النسوة في صورتها الأسطورية على أنها مهد الخلق، على سفح جبال قاسيون أتى آدم وقتل قابيل هابيل، فظلت المدينة الأبدية التي تلعب لعبة الحياة والموت.

السينوغرافيا كانت مميزة ماثلة في الكراسي أو القطع القماشية المتحرّكة التي تعرض عليها مقاطع فيديو لنساء يتكلمن باقتضاب كل مرة عن قضية مما يطرحه العرض، أو صور لدمشق ما قبل الحرب.

أرادت عكاشة أن تقدّم رؤيتها لسوريا اليوم دون انحياز إلى طرف من الأطراف، وهو الأمر الصعب فعلا، وإن نجحت فيه في مواقف فإنها سقطت في مواقف أخرى مثل جملة الممانعة التي تحدثت بها إحدى الممثلات والتي يروّجها النظام السوري عن نفسه، علاوة على اكتفائها بالصورة الإسلامية لدمشق التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود سابقا جنبا إلى جنب.

المونولوجات أو الثرثرات أو حتى الجوقات غير المرتبة قدّمت صورة متداخلة للرجل وللحرب ولدمشق، صورة تشبه كثيرا الحرب التي جعلت كل شيء ضبابيا، هو ما جعل العرض فوضويا بلا رسالة واضحة رغم ذكاء وأهمية القضايا التي يقدّمها، إلى أن تمزقت المواضيع كالشظايا وانعدام الرؤية الفنية الواضحة، علاوة على البرود الكبير الذي بدا على الممثلات في أحاديثهن، خلق تنميطا ورتابة كبيرين. ما جعل العرض ثقيلا رغم قصر مدته الزمنية.

إن الصور التي تقدّم للرجل الشرقي من أنه شبقي وبلا مشاعر، لعوب وكائن جنسي، مازالت دارجة في الفن العربي الذي تقدّمه النساء، وكأنهن يستبطنّ صورة الرجل كما يرسمها الغربي، ويُعدن إنتاجها، نعم لا يخلو الرجل الشرقي من تلك الصفات وهذا مؤكد، لكنه لا يحصر هناك أيضا، وهذا ما تداركته المخرجة ربما بصورة أحد العشاق الأوفياء الذي مات في الحرب أو صورة الابن.

ونذكر أنّ ما يحسب للعرض هو تمكّنه من تقديم عمل محترم رغم الهنات، في ظروف غاية في الصعوبة، خاصة مع تغيّب ممثلتين واضطرار المخرجة إلى تعويض النقص بالصعود على الخشبة والتمثيل رفقة شابة أخرى.

14