حكاية أبو قفص مع شحرور المقابر

الأربعاء 2014/02/05

عندما كنا تلاميذ في المرحلة الابتدائية، كنا نحب الأفلام المصرية كثيرا وكانت تستهوينا أفلام فريد شوقي ومحمود المليجي، لما فيها من مغامرات وأسماء رنانة من قبيل “بعجر” و”جنزير” و”برميل” و”ابو حديد”.

وراق لنا أن نطلق مثل هذه الكنى والألقاب على بعضنا البعض، فسمينا أحدنا: أبو قفص لأنه كان يحمل دائما ميدالية على شكل قفص، ودعونا آخر بـ”شحرور المقابر” لأن بيته كان قريبا من مقبرة الحارة، والثالث لصق به لقب أبو جلدة لأنه كان يلبس “جاكيت” من الجلد، وأطلقنا اسم الدولي على أحدنا لأنه كان يحب مباريات كرة القدم الدولية ولا يمل من مشاهدتها، أما الأخير فأطلقنا عليه اسم برميل.

ومع أننا جميعا لم نفترق عن بعضنا فترات طويلة، إلا أن علاقة أبو قفص بشحرور المقابر، كانت أكثر حميمية ببعضهما من علاقتهما ببقيتنا. حتى أننا كنا نمزح فنقول: يا أبو قفص أطلق الشحرور..، فنضحك ويغرد الشحرور، ويلوح أبو قفص بميداليته يمينا ويسارا.

وبعد مضي ما يقارب الأربعين سنة، وفي يوم من الأيام “ولعت الدني ناس ضد ناس علؤو ب هالدني”.. وتفرق شحرور المقابر عن أبو قفص وطار خارج البلد، أما أبو قفص فقد ظل فيها، بل صارت كلها بالنسبة إليه بمثابة قفص كبير. أما الشحرور فلم يصمت يوما واحدا عن التغريد، لاسيما بعد أن عرف أن البلد امتلأت بالمقابر.

وذا ت يوم فوجئنا بالدولي، صديقنا الذي انقطعت عنا أخباره مدة طويلة، يدعو أبو قفص وشحرور المقابر إلى اجتماع خاص بينهما ويكون هو حاضرا فيه. وعندما رأى أبو قفص شحرور المقابر، لم يتمالك نفسه من احتضانه، وكذلك فعل الشحرور الذي كان قد حن إلى قفصه الأثير عليه.

وبعد الاحتضان المتبادل، نظر شحرور المقابر إلى أبو قفص، وقال له بلهجة العتاب:

- أليس من المعيب يا أبو قفص، أن تدمر البلاد وتقتل العباد وتمنع عنهم الأكل والشرب؟

=أمرني شحرور، ماذا تريد؟

– افتح لهم باب القفص ليخرجوا، أو اسمح بإدخال الرزق إليهم.

= تأمر شحرور، مع أني أعتب عليك لأنك تركتني وانشققت عني.

– حسنا وماذا ستفعل الآن؟

= اعطني وقتا لأدع برميل يزيل ما بقي من مدارس ومعابد وحدائق حتى كبر القفص ويتسع لهم وللطعام معا وحتى يأكلوا براحة أكثر.

نظر شحرور المقابر إلى أبو قفص حزينا وقال: إذن دعنا نقف الآن دقيقة صمت على أرواح من ماتوا.

24