حكاية أخطر مرض يهدد الفرد العربي

تتقاطع بعض الروايات مع الحياة مباشرة، وتستمد خطابها منها بلا مواربة، أو انحيازات مستترة لإخفاء الحقيقة، تطرح أزمتها وأسئلتها المؤرقة على الورق، تلك الأسئلة التي ربما شغلت الكتاب لسنوات، وظلت معلقة بلا إجابات واضحة تمنح اليقين، أو تحسم الاختيارات في وداع النفق الطويل المظلم والخروج منه إلى ضوء النهار.
الخميس 2017/11/30
الاكتئاب عوالم خفية (لوحة للفنان سعد يكن)

لعل السؤال المطروح في رواية الشاعر علي عطا الأولى “حافة الكوثر”، هو مدى قدرتنا فعلا على التعامل مع الاكتئاب، على مواجهة الكلب الشرس القابع في الأعماق، والذي لا يراه ويعرف بخطورته سوانا.

وتتزامن رواية عطا مع اهتمام العالم هذا العام بالاكتئاب، مع عنوان أطلقته منظمة الصحة العالمية يقول “دعونا نتحدّث عن الاكتئاب”، وكشفها أن شخصا ضمن كل خمسة أشخاص في الشرق الأوسط يعاني من الاكتئاب والقلق بسبب ما تشهده هذه البلاد بشكل متزايد من أزمات إنسانية ونزاعات وحالات نزوح، ما يعني ارتفاع أعداد المصابين بهذا المرض في المنطقة العربية.

الاجتماعي والنفسي

هكذا بين النفسي والاجتماعي والجسدي، واختلاط السيري بالروائي تتفاعل الأزمات في “حافة الكوثر”، الصادرة هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية.

كل شيء يقف على الحافة ويظل يراوح مكانه، صراعات الطبقة الوسطى للبقاء، هذا على اعتبار أنها موجودة، احتدام الاضطرابات السياسية عقب ثورة يناير 2011، ولعل الأهم ما يتصدر في الواجهة هو “الاكتئاب” كمرض نفسي وعضوي، يضني صاحبه ويمرر حياته باليأس والضيق، وفقدان الأمل، والإحساس بالخيبة.

لعل الروايات العربية التي تناولت الاكتئاب كمرض وليس كظاهرة حياتية يشكو منها أحد الأبطال تعتبر قليلة، تخصيص عمل سردي كامل للحديث عن هذه المعاناة وما يرافقها هو ما يميز “حافة الكوثر”، رغم أن الكاتب يوارب عبر الدمج بين الاجتماعي والنفسي في سرده، لكن من اليسير تقفي معاناة البطل التي تنقل للقارئ أيضا إحساسا مباشرا بالألم. لنقرأ على لسان الراوي “الاكتئاب لئيم، لا تعرف متى يهاجمك، وعلى أي درجة من الضراوة سيكون وإلى أي مصير يمكن أن يدفعك، هذا ما فكرت به وأنا أتأمل حالي مع الاكتئاب”.

يتخذ الراوي من صديقه “الطاهر يعقوب” مخاطَبا ليحكي له عن معاناته، فنتعرف أكثر على حكاية البطل، وتفاصيل أيامه في الكوثر، بل وأيام أشخاص آخرين، تشغل حكاياتهم حيزا يساعد على إكمال الصورة الحية لمعاناة مجموعة من الأشخاص الطبيعيين ظاهريا والذين يخفون في دواخلهم معاناة باطنية مستمرة.

تكشف الرواية أنه رغم ما يسببه الاكتئاب من عزلة، إلا أنه في الوقت عينه يحقق استباحة لحياة المريض، ليس لعجزه فقط عن الدفاع عن مساحته وحدوده الخاصة فقط، بل لأنه مرض مثل أي مرض آخر يؤدي بصاحبه إلى حالة من الاستسلام الطوعي، والنكوص النفسي، إلى تعطل الرغبة في الحياة والحب، والاستمرار.

البطل في الرواية “حسين عبدالحميد” وهو صحافي في الخمسين من عمره يعمل في وكالة أنباء “المحروسة” وهو شاعر أيضا وأصدر ثلاثة دواوين، لديه زوجتان وابنتان متزوجتان، ويعاني من اكتئاب حاد، يضطره إلى أخذ قرار الذهاب إلى مصحة “الكوثر” في محاولة للتشافي من الاكتئاب، وإذا كان المكان الرئيسي في الرواية تنقسم أحداثه بين القاهرة ومدينة المنصورة التي جاء منها البطل، فإن “الكوثر” كمكان ثالث يتخذ البطولة المكانية للأحداث.

رواية تدخل عوالم النفس العميقة

يبدو الكوثر مكانا أليفا، حاضنا، يختار الأبطال مغادرته والعودة إليه بأنفسهم. لكن حتى هذا المكان مهدد بالإزالة لرغبة الورثة في بناء برج مكانه. هكذا يكون الواقع المادي المتعملق وحشا يهدد كل الأماكن، ويبتلع كل الذكريات.

يمثل الكوثر بالنسبة إلى البطل السارد حسين، المكان الذي يحقق له الأمان النفسي المفقود في الكيان الكبير؛ أي الوطن الذي يعاني من تشظيات كثيرة عقب ثورتين، واضطرابات سياسية، وفي الكيان الأصغر “البيت” مع اضطراب علاقته بكلتا زوجتيه، حيث اضطراب العلاقة العاطفية مع كلتيهما يبدو سببا يضاف إلى أسباب معاناة الاكتئاب التي يشكو منها البطل، رغم محاولته الهروب المستمر من رصد أي أسباب، وأن يكتفي بالحديث عن ماضيه وتاريخه الأسري، وكأنه بهذه المراجعة للذاكرة يعمل على استنهاض الأمس كله لغرض التنقيب من خلاله عما يمكن أن يكون محركا أو سببا للمعاناة، أو يكون سببا للفرح.

لكن الأفراح تبدو قليلة جدا في حياة حسين، ربما تكون نادرة، ليس لأنه شخصية اكتئابية فقط، بل لأن مأزقه الوجودي يرتبط بانتكاسات كثيرة تحيط بحياته، هذه الانتكاسات تتنوع بين السياسية والاجتماعية والعائلية.

السيري والروائي

يمزج الكاتب بين السيري والروائي، وتتقاطع في سرده تفاصيل واقعية ليس على مستوى الأحداث فقط بل على مستوى الأوصاف الجسدية أيضا، ربما لأن الكتابة في الرواية جزء من الحل، لكن الراوي لا يجمل الحقائق، والكتابة لا تقدم حلولا يقينية، الكتابة تعين على التجاوز لكنها ليست الحل، ويؤكد هذا بذكره لأسماء كتاب تمكن كلب الاكتئاب الشرس من حبسهم في قوقعته ومنعهم من التحرك، لنقرأ “مخطئ من يظن أن في الكتابة خلاصا، فالأمثلة كثيرة على من كتبوا، ثم انتحروا في النهاية، أو ماتوا منسيين في مصحات، أو حتى على أرصفة الشوارع”.

تظل الإشارة إلى حاجة الرواية إلى التكثيف لصالح المحور الرئيسي أي فكرة ”الاكتئاب”، في مقابل تغييب الجانب الواقعي، والانحياز للتضليل السردي الذي يبدو أكثر انسجاما مع سرد يستند للعالم الداخلي، ومعاناة أبطاله، حيث ذكر تفاصيل واقعية وأسماء أشخاص بعينهم وأخذ القارئ من حالة التساؤل المطروحة في الجزء الأول من النص نحو الواقع الفعلي بكل ما يحمله من صراعات وتناقضات وخيبات.

وإذا كانت “حافة الكوثر” ألقت حجرا كبيرا حول ظاهرة مرض الاكتئاب وأوجاع أصحابه التي تشبه دمامل نفسية تزول لكن تظل آثارها باقية، يبقى السؤال المطروح الذي تفرضه علينا الرواية: إلى أي مدى يمكن للواقع العربي، وللطب النفسي فيه أن يحقق خطوات في إيجاد علاج حقيقي لمرضى الاكتئاب؟

13