"حكاية أيرلندية" مسرحية لكيلي ريفيير عن الهوية والمنفى

المسرحية تقدم قراءة لواقع أيرلندا منذ الثلاثينات وصولا إلى الواقع الفرنسي في مطلع هذا القرن.
الاثنين 2019/07/08
لا بطل هنا ولا أحداث تاريخية

يواصل مسرح بلفيل بالعاصمة الفرنسية باريس عرض مسرحية “حكاية أيرلندية” من تأليف كيلي ريفيير وإخراجها. وتروي سعي البطلة لإماطة اللثام عن سر اختفاء جدها الأيرلندي، الذي هجر عائلته ولم يعد. ومن خلالها تعالج الهوية والمنفى.

طوال ساعة وخمس وعشرين دقيقة، تعرض علينا كيلي ريفيير بمسرح بلفيل الفرنسي “حكاية أيرلندية”، بطلها جدها بيتر أوفارّيل، الذي غادر نوكارون، قريته الصغيرة بجنوب أيرلندا، متوجها إلى لندن بحثا عن العمل.

وكان قبل الارتحال قد تعرف على مارغريت فأنجبت طفلهما الأول، ثم لحقت به إلى لندن حيث تزوجا وأنجبا خمسة أطفال آخرين خلال عشر سنوات من إقامتهما في العاصمة البريطانية.

لم تكن حياة تلك الأسرة يسيرة، فقد كانت تواجه ما يواجهه المغترب في بلاد غير بلاده من لهاث دائم في سوق الشغل لكسب القوت، وتنقل من سكن إلى آخر دون أن تعرف الاستقرار، ومن معاداة عقدية لكون الأيرلندي من ملة مغايرة.

والمعلوم أن الأيرلنديين منذ المجاعة الكبرى لعام 1845 إلى ستينات القرن الماضي، ما انفكوا يغادرون بلادهم بسبب الفقر والبطالة والعنف السياسي، ويهاجرون إلى الولايات المتحدة وأستراليا حيث يختارون الإقامة الدائمة، وفرنسا بدرجة أقلّ.

وكانوا يجدون راحتهم في تلك البلدان، بخلاف إنكلترا التي لم تكن ترحب بهم، لأنهم كاثوليك في بلد بروتستانتي ورأسمالي يستقبلهم بيافطات من نوع “لا للسود، لا للأيرلنديين، لا للكلاب”، ويُتهمون بكونهم يُفْرطون في معاقرة الخمر، وينجبون الأطفال بكثرة، ويطالبون باستقلال أيرلندا، فضلا عن كونهم فقراء سوف يزاحمون الإنكليز في مساعدات الدولة ويعيشون عالة عليهم.

ومن ثَمّ، فإن أحداث المسرحية تدور في بلدان ثلاثة هي أيرلندا وإنكلترا وفرنسا، وتستعمل لغتين، الإنكليزية والفرنسية، مع ما في تينك اللغتين من لهجات نلمس فروقها بين سكان باريس وأهالي مناطقها الداخلية، وبين سكان لندن ومواطني جنوب أيرلندا.

المسرحية تذكير بما عاناه الأيرلنديون في تاريخهم من منافٍ واجتثاث من التربة الأصلية

ومثل بهلوان، تتنقل كيلي ريفيير برشاقة عجيبة من شخصية إلى أخرى، ومن صوت إلى آخر، ومن لغة إلى لغة، مع ما يتبع ذلك من حركات ونبرات تناسب كل دور دون تكلّف أو عناء، ومن قدر متزن من التأثر والمزاح الخفيف.

وتقمّصت كيلي ريفيير في “حكاية أيرلندية” أكثر من عشرين دورا، لرجال ونساء، شيبا وشبابا، بلهجات ولكنات مختلفة تعكس تنوع الشعوب وتعدد لهجاتها، لتروي حكاية جدها بيتر أوفارّيل الذي ضاقت به الدنيا بما رحبت، وانهرس تحت وطأة واقع مدينيّ رافض، وسوق شغل لا تُطعم سوى الجوع، فصار يعاقر الخمر صباح مساء، إلى أن جاء يوم خرج فيه ولم يعد، وترك زوجته مارغريت وأطفاله الستة يواجهون مصيرهم بمفردهم.

ولم يأت عنه منذ أن ترك البيت أي خبر. في غيابه لم يعد أحد يذكر سيرته ولا اسمه. حتى زوجته مارغريت أغلقت فمها عن ذكره نهائيا. وحدها حفيدته كيلي أرادت بعد أعوام طويلة أن تفهم سر اختفائه وحاولت البحث عن أي أثر يقودها إليه.

ولما باء سعيها بالفشل كتبت هذه المسرحية، لتعرض على المتفرجين قراءة لتاريخ عائلتها، ومن خلاله تقدم قراءة لواقع أيرلندا منذ الثلاثينات وصولا إلى الواقع الفرنسي في مطلع هذا القرن، في رحلة عبرت فيها الحدود الجغرافية واللسانية للوصول إلى قلب أسرة تتكتم على أسرارها. وقد صاغت تلك الحكاية بطريقة تجعل من الخاص عامّا، ومن الذاتي كونيا لتصور أثر المنفى في تلك الأسرة المعدمة.

“هذه الحكاية”، تقول كيلي ريفيير، “أحملها طي إهابي منذ خمس عشرة سنة، هي حكاية جدي الأيرلندي الذي اختفى منذ ثلاثين عاما. هي حكاية حفيدته التي تسعى في البحث عنه. لطالما تساءلت ماذا جرى لبيتر أوفارّيل، ما الذي دفعه إلى الرحيل، وأين هو؟”.

وتسترسل “عندما يختفي شخص ما، فهو لم يمت، ولكنه كالميت. حرف التشبيه ذاك هو الذي يحدد الفارق، لأنه يغذي الأمل. الأمل بأن ذلك الشخص لا يزال حيّا يرزق”.

وتعترف كيلي أنها لم تعرف جدها، ولكنها شهدت الأثر الذي تركه في العائلة، فقد كان موجودا بغيابه أكثر منه في حضوره. مثلما تعترف بأن الصعوبة التي واجهتها عند كتابة نصها، ثم إخراجه، هي كيف تمنح الحياة لشخص مفقود، وكيف تجمّع شظايا الذكريات في أسرة تمارس الصمت وترى ذكر الغائب من المحظورات، فلا بطل هنا ولا أحداث تاريخية، لاسيما أن مساعيها في العثور عليه باءت بالفشل. فلم تجد بدّا عندئذ من التوسل بالفن المسرحي لسرد حكايته، وملء ما اعتراها من ثغرات، وتصوّر حياة ممكنة لهذا الجد الغامض، عسى أن تعيد إليه اعتباره، وتخلّد ذكره، على طريقتها.

 “حكاية أيرلندية” هي بحث عن الهوية حين تتقاطع المصائر بين بلدان ثلاثة، وبصرف النظر عن الملمح اللساني، تنسج كيلي ريفيير، في دور البطلة كيلي رويسيو، شبكة جينالوجية، وكأن اختفاء جدها أتاح لها إشباع فضول لا يَقتنع بما لا يُعقل. وهو ما يسمح لها بقياس العلاقات التي تربطها بالماضي لكي تثبّت قدميها نهائيا في الحاضر. والمسرحية أيضا تذكير بما عاناه الأيرلنديون في تاريخهم من منافٍ واجتثاث من التربة الأصلية.

16