حكاية الأمير وقوارضه وثعالبه (من الليلة الثانية بعد الألف)

الجمعة 2013/12/20

اقتربت الجدة من حفيدتها، لمست جبينها بحب شعّ من عينيها، سألتها الصغيرة الجميلة أن تقصّ عليها من قصص الأولين، أبدت الجدة الموافقة وشرعت تقص: بنيتي في غابر الأزمان كان هناك أمير عربي همام، عرف عنه أنه حين يرى سحابة تمرّ في السماء ولا تمطر على قصره، يقول لها: ما أنت إلا غازات أكسجين وكربون وبعض هيدروجين، نهايتك في بطن حقولي البحرية.

في يوم من الأيام نادى حاجبه وكان ابن عمه الذي يعمل موظفا في البلدية، لكن نبوغه في التواصل مع الفرنجة قربه من الأمير ليستعين به لأداء المهمات الشاقة وأيضا لقول ما لا يستحسن به قوله.

اقترب الحاجب بكل تهذيب وهو يمسك بأطراف بشته الشفاف، متلقيا سؤال الأمير: “هل من رجل دين مفوّه يملك كاريزما ونستطيع استعماله للوقوف ضد الطغمة التي تشنّع على مقام إمارتنا بسبب ما فعلنا بوالدنا وأشقائنا الكبار منهم والصغار”.

ابتسم الحاجب وقال: “هذا الشخص موجود، وهو مقيم عندنا منذ الخمسينات وربّى جيلنا على مسلمات مهمة، منها أن الأمير، أيا كان، احترامه وطاعته واجبان، على أن يكون أميراً منا.

أما الأمراء الآخرون فيجب شق عصا الطاعة على رؤوسهم، واتهامهم بما يليق بهم وبما لا يليق”.

قال الأمير وهو محتبر غير مصطبر: “أكاد أعرفه إن لم أكن قد عرفته فعلا، هل هو طريد مصر، ذلك النّهام الفّهام العاشق لليوروات بعد الدولارات".

صفق الحاجب لذكاء سيده، وقال: “نعم هو الذي في بالك، سيدي ومولاي".

لكن الأمير لا يزال يملك أسئلة: “هل يستطيع الشيخ إقناع الناس بوقوفنا مع الإسلام وضد الوجود العسكري الأجنبي، رغم أننا نوقّع الاتفاقية وراء الثانية لحمايتنا واستعمال أراضينا لعشرات السنين، ولو قبل حامينا وحرامينا لوقعنا معه اتفاقية تدوم إلى أن ينهي الاحتباس الحراري وجود يابستنا”.

قال الحاجب: “يستطيع يا سيدي.. يستطيع، الرأي العام أوهن من أن يكتشف الفرق، وإن اكتشف فسيقرض الشيخ كل ذاكرته ويعيد توجيهها نحو قضية أخرى”.

وتابع الحاجب، وهو يصلح عقاله لا عقله: “سينسون يا شيخنا… لدينا نهر متدفق من خطابات الكراهية والنفور والتحريض والتأزيم مخصصة لكل شعب ولكل ملّة، سيستعملها شيخنا كما يريد، فنعبث بعقول الناس كما نريد، ونقلّب وجوههم أنّى شئنا، أنت تعرف يا سيدي أن نسبة الأمّية كبيرة في عالمنا التائه، وحتى متعلمونا يتم اختطافهم إلى أوكار التأزيم، فلا يبقى من عقلاء الأمّة إلا من لا يملك صوتا بعد قطع لسانه ووصول الخازوق إلى حنجرته، ومن استعصى علينا بحّ صوته وهرب إلى الغرب حيث يكرم، أو يوضع في زنزانة مطلة على البحر كشاعرنا المتمرمر”.

انفرجت أسارير الأمير، وقال لحاجبه: «لكن ماذا عن جارنا غير العزيز».

رد الحاجب: “تعلم سيدي أننا وجيراننا نعود إلى البقعة نفسها، الواحات المتباعدة في صحراء العرب، لذا علينا استعمال هذا التباعد. تعرف أن شيخهم الأول قريب لنا بل من عشيرتنا نفسها ولنا الحق فيه. هذه الأمة سيدي تذعن لشيوخها الأحياء منهم والأموات، لذا يمكننا أن نبني مقاما رخاميا لامعا وضخما لشيخنا الأول ونهبه لشيوخهم، فيحجّون إليه ويضفون على شرعيتنا شرعية، ولا يخطبون إلا في العبادات. أما السياسات فيقرضها شيخنا من أسفلها إلى أعلاها”.

زم الأمير شفتيه متشككا، وقال: “لكن هل سيقتنعون أننا نمثل أسلافهم ونحن ندعم إخوانهم”.

ضحك الحاجب بأدب وقال: “أميري الهمام لا يهمنك الرأي العام، هم دهماء نستطيع مسح ذاكرتهم كما نريد، أنظر إلينا، نحن نقبل هذا الزعيم يوما وندعمه ماليا ونغدق عليه، ونصف غيره بأنصاف الرجال، وبعدها بشهور نحوّل خط سير الأموال من دعمه إلى دعم معارضيه وتفجيره إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، والعالم لا يفهم لماذا نفعل هذا وذاك، بل هو يصفق لنا”.

وتابع الحاجب: ”سيدي هي أمة لا تقرأ التاريخ، وإن قرأته لا تفهم”.

صرخ الأمير في الحاجب: “هذا قول ابن عمنا اليهودي وليس قولك”.

رد الحاجب برباطة جأش: “ذكّرتني سيدي، أبناء العم اتصلوا بي يستفهمون يسألون عن عودة التعاون بيننا علنًا”.

نزل الأمير من مجلسه واقترب من الحاجب: “قل لهم نعم، هذه أمة لا تفهم ما نقرأه عليها، ولا حقيقة ما نقوم به”.


***


انتبهت الجدة إلى أن حفيدتها استغرقت في النوم، فحمدت ربها أنها لم تسمع نهاية القصة، وتمتمت: “ما كان لي أن أقص مثل هذه القصص على هذه البريئة، لاسيما الخاتمة، كيف لها أن تلوث خيالها بما حدث في أرض الكنانة من قبل الأمير وقوارضه وثعالبه”.

9