حكاية سينما دمشقية تقاوم الحرب من أجل البقاء

الاثنين 2013/09/09
لم يعد في قدرة الإدارة شراء أفلام جديدة بسبب ندرة الزبائن

دمشق - شكلت سينما الفردوس في وسط دمشق مقصدا لسكان الضواحي الشعبية، إلا أن النزاع المستمر منذ أكثر من عامين، حرمها زحمة الرواد، ودفعها إلى تكرار العروض لأعداد نادرة من الزوار.

يوضح جمال الساسا (خمسيني) الذي يدير الصالة منذ نحو خمسة عشر عاما أنه أغرم بالسينما مذ كان طفلا صغيرا. "في الثانية عشرة، بدأت أبيع سكاكر، وكنت أذهب إلى قاعة البث لأشاهد كيفية تشغيل الأشرطة".

الصالة قديمة ونظام التهوئة فيها سيء. على جدرانها، ملصقات غلب عليها الاصفرار تعلن أفلاما قديمة.

وينظر الساسا بابتسامة عريضة إلى فتى صغير يقف اليوم عند مدخل السينما ليبيع سكاكر وألواح شوكولا إلى الزبائن النادرين.

في أبريل، أغلقت قاعة "سينما سيتي" أبوابها بسبب الحرب، وكانت من أبرز المجمعات الحديثة في العاصمة مع صالة تعرض أكبر النجاحات العالمية من الأفلام. وفي الإمكان اليوم مشاهدة أحجار الباطون التي ارتفعت عند المدخل وتحجبه تماما.

ويقول جمال "زبائنهم من الطبقة الميسورة، وقد غادروا العاصمة. لم يعد أحد يقصد السينما".

وتأثرت الصالات الأخرى "درجة ثانية" وبينها "الفردوس" سلبا بهذا الإقفال، إذ أنها كانت تشتري من "سينما سيتي" بأسعار مخفضة أفلاما أُنتجت خلال السنوات الأخيرة.

في الفردوس، لا يزال في الإمكان رؤية الإعلان الخاص بفيلم "برايد وورز" (حرب العرائس) (2009) من بطولة كايت هادسون وآن هيثاواي، وآخر لفيلم "فراندز ويذ بينيفيتس" (أصدقاء مع امتيازات) (2011) من بطولة جاستن تيمبرلايك وميلا كونيس، إلى جانب ملصقات لأفلام عربية لم تعرف نجاحا أو انتشارا.

ويقول جمال الساسا إن "آخر دفعة من الأفلام اشتريناها تعود إلى العام 2011"، السنة التي شهدت اندلاع الانتفاضة ضد نظام الرئيس بشار الأسد.

ويضيف "منذ ذلك الوقت، نبث أربعة أفلام في الشهر. وكلما انتهت عروض هذه الأفلام الثلاثين، نعاود بثها مجددا".

ولم يعد في قدرة الإدارة شراء أفلام جديدة بسبب إقفال "سينما سيتي"، وأيضا بسبب تراجع عدد الزبائن. حتى عصر ذلك اليوم، عشرة أشخاص فقط اشتروا بطاقات لحضور العرض.

ويروي جمال أن صالات السينما السورية كانت تعاني من أزمة أصلا قبل الحرب "بسبب الإنترنت والقنوات الفضائية".

ويضيف "لكن مع الحرب، كان الفقراء يأتون من ريف دمشق إلى هنا لمشاهدة الأفلام. هؤلاء توقفوا عن المجيء". وتشهد مناطق عدة في ريف دمشق منذ أشهر معارك طاحنة بين مقاتلي المعارضة والقوات النظامية.

البعض يمضي أحيانا النهار كله هنا في قاعة مظلمة

ويشير جمال إلى أن هناك أربعة مشاهدين على الأكثر حاليا للعرض المسائي مقابل أربعين من قبل. "بعد الساعة الخامسة، لا يأتي أحد أحيانا، لأن الناس يخافون المخاطرة بعد هبوط الليل. قبل الحرب، كانت الصالة تبقى مفتوحة حتى منتصف الليل".

وتتسع الصالة لنحو 800 مشاهد. والعرض الذي قصده صحفيو وكالة فرانس برس لا يتعدى عدد مشاهديه أصابع اليد الواحدة.

ويقول سامر، أحد الزبائن الدائمين، "أشاهد أحيانا الفيلم نفسه مرات عدة. أشعر هنا بالارتياح. ويمكنني حتى التدخين".

ويقول الساسا ضاحكا "البعض يمضي أحيانا النهار كله هنا في قاعة مظلمة". إلا أنه يستدرك سريعا مستعيدا لهجة جدية وحزينة: "إن قلة عدد الزبائن تشعرني بالمرض. أجمل شيء بالنسبة إليّ كان الجلوس وراء مكتبي ومراقبة ردود فعل الناس وتعليقاتهم على الفيلم". ويضيف "في السابق، كنت أطلب من الناس الالتزام بالطابور وعدم التزاحم، أما اليوم، فيبدو لي الوقت وكأنه لن ينتهي".

تم تدشين سينما "الفردوس" العام 1948، "عندما كان طول الطابور يصل إلى مئة متر"، مضيفا أنه لا يمكن إنقاذ الصالة، ما لم يحصل استثمار ضخم فيها.

ثم يضيف "لكن من سيستثمر في الحرب؟ أفضل أن أموت قبل أن أرى الصالة أُقفلت".

20