حكاية شيب

هكذا هو الشيب، ذلك الحلم المزعج الذي تعيش عليه أجيال، فيأخذها في غياهب كثرته المشتدة أحيانا والتي لا ينفع معها لا مكياج ولا روتوش ولا كل مستحضرات التجميل.
الأربعاء 2018/03/28
للشيب سمات ومميزات تطالع الصغير والكبير على حد سواء ولا تعترف بعمر

أهوال الشيب غريبة وحكايته متنوعة بين الأجيال والفئات العمرية. يطالعك أحيانا شاب في مقتبل العمر بشعر كثيف يكسوه شيب غطى على كل محاسن الفتى وأمساه كهلا رغما عن صغر سنه، فيما زاد الآخر منظرا وألقا فتن بهما أترابه وخلانه. 
فيما ثالث دبّت فقاعات الشيب ونمت بشكل متسارع عجز عن مقاومتها ووضع عداد لها. فمع كل شروق جديد يتوجه الشاب ليطالع في مرآة ركنه حظه من حبات الشيب التي تنبت كل يوم. 
حظ الأخير من أهوال الشيب بالغ ومأتاه دفع به للسؤال والبت في الحكاية. توجه الشاب العشريني إلى جدّه الجالس في الركن ليستفسر منه. شيخ يقضي يومه جالسا في ركن البيت يسبّح ويردد تذكارا وأحيانا يأخذه النعاس فينام بعينين مفتّحتين. 
دنا الشاب من بساط صغير يفترشه جده وهمّ بالجلوس جانبه قائلا: جدي هل أنت نائم. تمتم العجوز التسعيني بكلمات غلب عليها النعاس، ثم لملم برنوصه وأفاق على وقع همسات الشاب مرددا: لا.. لقد غفوت قليلا.. ما حاجتك. اجلس. همّ الشاب بالجلوس وهو يردد ضاحكا. ما حكاية الشيب الذي يطالعني كلّ يوم من بقعة في رأسي يا جدي. أنا مازلت صغيرا. قهقه الجد مليّا وهو يطالع بعينيه الذابلتين في الشاب ويردّد الشيب حكاية طويلة يا بني. 
يقال إن له سمات ومميزات تطالع الصغير والكبير على حد سواء ولا تعترف بعمر. وقيل عن الشيب أيضا إنه محرار لقياس درجات العمر. “شيب الذراع علامة كبر وشيب ‘النواظر’ دمّار(معاناة) وشيب القصة زينة الشاب”، وأنت شيبك دب ومال جهة قصتك. 
رد الشاب أنفاسه بعد تطمينات الجد له بأن شيبه ليس عيبا وإنما جاء مكمّلا لوسامته التي سحرت الفتيات وأخذت عقولهن. فيما أفاق هو على صوت عال يناديه “انهض فاتك الوقت للحاق بحصة الفلسفة”.
هكذا هو الشيب إذن، ذلك الحلم المزعج الذي تعيش عليه أجيال، فيأخذها في غياهب كثرته المشتدة أحيانا والتي لا ينفع معها لا مكياج ولا روتوش ولا كل مستحضرات التجميل فيما يبادر البعض الآخر بتقديم كل ما لذ وطاب ترحيبا بهذا “الرسول” الذي جاء على حين غرّة ليزيدهم وقارا وبهاء. 
فيما الأهم من كل هذا وذاك حكاية الشيب كما يلخصها الموروث الحضاري والشعبي التونسي والتي تقول “الثلج على الجبال رسا و’دقدق’ (رحى) طواحين الساحل يمشي زمان ويأتي زمان واثنان يحتاجان لواحد”.

24