حكاية عن وجوه مزيفة

أصبح الشعور بالقوة الرمزية من دون امتلاكها في الحقيقة، مسألة مهمة لتوصيل إحساس بالمهابة إلى الآخرين. لزوم إيهام الناس بأن صاحب هذا القناع قوي الشكيمة والإرادة.
السبت 2019/04/13
قوة مفتعلة

لم تعد التلقائية صفة أساسية لدى البشر. الكثير منهم يضعون أقنعة تتناسب مع ما يريدون الوصول إليه، ويحاولون تصدير صورة ساذجة أو متضخمة للآخرين، لصد متاعب متوقعة والإيحاء بأنهم أقوياء بما يكفي.

نواجه هؤلاء في أماكن مختلفة. أحدهم يرتدي قناع الطفولة، ويمعن في الكلام الذي يثبت أنه رجل كبير بعقل صغير. يمكنه الإقدام على أي شيء مهما كان سيئا، ويجبر الآخرين على تقبل ما يصدر منه. يبدو كمن يتصرف ببراءة.

عندما يجلس وسط تجمع من الناس، يتصنع البلاهة والسذاجة. يلقي النكات ليقتنص الضحك، ويقبل أن يصبح مثل الفاكهة الشهية بعد تناول وجبة غذاء دسمة. هذا يتهكم عليه، وذاك يسخر منه، وهو يكاد يستلقي على ظهره من كثرة الضحك، فقد ضمن دورا يجعله مستمرا وسط “الشلة”.

هناك صاحب قناع التضخم المعنوي، أو كما يقول البعض “منفوش الريش”، كدليل على القوة والثقة والقدرة على فعل أي شيء يستوجب شجاعة ظاهرة، ويسعى نحو ترسيخ هذه الصفات وتزويقها بمساحيق جذابة اجتماعيا.

تزايد هذا النموذج في حياتنا، وأصبح الشعور بالقوة الرمزية من دون امتلاكها في الحقيقة، مسألة مهمة لتوصيل إحساس بالمهابة إلى الآخرين. لزوم إيهام الناس بأن صاحب هذا القناع قوي الشكيمة والإرادة وصاحب حجة ورؤية والجميع يخشونه.

يوجد نوع من المنتفخين بالسليقة، لا يحمل التضخم المعنوي الذي يظهر عليهم ظلا من الحقيقة. غلابة بالمعنى الدارج للكلمة

يتعمد أحدهم استخدام أفخر أنواع السيجار. وآخر يسير ويبدو صدره أبعد من وجهه. وثالث يقوّس عضلات ذراعيه. ورابع يوحي بأنه يرتدي ثيابا فخمة، جلبها من وكالة البلح، أشهر سوق لتجارة الملابس الشعبية في مصر.

صاحب سيجار كوبي، أصبح رئيسا لتحرير إحدى الصحف الرسمية، دار حوار معه فحواه أنه يستطيع التنكيل بأي صحافي، وأوقعه حظه العاثر مع محرر يعرف عن ضعفه الكثير، فتلقفه الأخير وفضح قوته الزائفة.

بعد لحظات تراجع إلى الخلف وبدا مثل “الفأر المبتل”، واختفت ملامح الطاووس المصطنعة. يتودد بكلمات ناعمة كي لا تحتدم المناقشة ويكتشف من كانوا يراقبون الحوار ثقل ظله وخفة شخصيته وقلة حيلته، والانتفاخ الذي ينتابه يشبه بالونة تنفجر بمجرد لمسها بسن مدبب.

يوجد نوع من المنتفخين بالسليقة، لا يحمل التضخم المعنوي الذي يظهر عليهم ظلا من الحقيقة. غلابة بالمعنى الدارج للكلمة. ربنا حباهم بطول فارع ومنكبين عريضين. طلتهم توحي بشراسة أبعد ما تكون عن طبعهم.

يتكبد هذا النوع خسائر لأنه يُحسب عادة على فريق السيجار الكوبي. يواجه مشكلات لا ذنب له فيها. يتحمل جريرة من يوهمون الناس أنهم أقوياء، مع أن قوتهم مفتعلة تستوجب فضحها.

24