حكاية مدير عام

أصل المشكلة أن رئيس الجمهورية، منذ عام 2003، عام الغزو الأميركي لا يُنتخب من الناخبين العراقيين مباشرة، بل يختاره حزبه، أولا، وفق تفاهمات وتراضيات وتقاسمات داخلية، ثم مساومات وتفاهمات خارجية مع الحزب الكردي المنافس.
الأحد 2019/06/30
رئيس يمتلك كل الشروط للقيادة لكن العين بصيرة واليد قصيرة

كان الإعلامي الإذاعي السوري المخضرم فؤاد بلاط، المدير العام الأسبق للإذاعة والتلفزيون السوري في الثمانينات من القرن الماضي، بعثيا عريقا، ولكنه من مواطني دير الزور التي لا يحبّها النظام ولا يأمن أهلها أنصاف العراقيين. وكان من العاملين تحت إمرته واحد اسمه محمد خضر لم يكن إذاعيا أو إعلاميا ولكنه عيّن مديرا لإذاعة دمشق لكونه من قرية قرداحة ومن أقارب الرئيس.

وصادف أن كانا معا، ذات يوم، في أستوديو الإذاعة يشرفان على اختبار متقدمين للعمل كمذيعين. فخاطب المدير العام أحدَ الممتحنين وطلب منه أن يجعل صوته أقوى. فاعترض مدير الإذاعة وطلب من الممتحن أن يجعل صوته أعلى.

فردّ عليه المدير العام، وهو الخبير المحنّك في فنون الإلقاء وعلم الأصوات، موضحا، أن (أقوى) غير (أعلى). لكن مدير الإذاعة أصرّ، مؤكدا عدم وجود فرق بين (أقوى) و(أعلى).

وهنا اضطر المدير العام إلى تبسيط الأمور لتقريبها من فهمه، فبيَّن له أن (أقوى) تعني زيادة قوة الدفق الهوائي في الصوت، أما (أعلى) فتعني رفع درجة الصوت. وحين بقي المعترض على اعتراضه لجأ فؤاد إلى خفة الدم وحب النكتة والطرافة، فقال له: خذ مثلا، أنا الآن أعلى منك وظيفيا، ولكنك، وأنت الأوطأ وظيفيا، أقوى مني بكثير.

تذكرت هذه الحكاية البليغة التي تبدو وكأنها حكاية مضحكة ولكنها تختصر الواقع المبكي في بلادنا العربية التي لا قيمة فيها للخبرة والكفاءة بقدر ما للحزبية والشللية والقبلية من صدارة في شروط اختيار الموظفين، وأنا أتأمل حال الرئيس الدكتور برهم صالح، رئيس العراق وعادل عبدالمهدي رئيس الوزراء.

رغم أن كاكه برهم أعلى منصبا، كما هو مفترض، إلا أن عادل، وهو الأدنى منصبا، في نظام التسلسل الحكومي، هو الأقوى. فهو الحاكم الذي لا يحق لأي أحد غيره، رسميا وواقعيا، أن يفعل أي شيء، أو أن يصرّح بأي شيء إلا إذا استأذن منه، والتمس رضاه، وحصل منه على موافقة.

وأصل المشكلة أن رئيس الجمهورية، منذ عام 2003، عام الغزو الأميركي لا يُنتخب من الناخبين العراقيين مباشرة، بل يختاره حزبه، أولا، وفق تفاهمات وتراضيات وتقاسمات داخلية، ثم مساومات وتفاهمات خارجية مع الحزب الكردي المنافس، وبعد ذلك يتم استحصال الموافقة على التعيين من الحاكم الفعلي للعراق الحاج قاسم سليماني، ثم تدخل الصفقة إلى قبّة البرلمان لكي تبدو وكأنها تمت ديمقراطيا ونيابيا، لتبدأ مرحلة التوافق والتراضي بين رؤساء الكتل النيابية التي تعوَّد العراقيون على ما يجري في ما بينهم، دائما، من صفقات وتبادلات وعمليات بيع وشراء للمناصب والمكاسب والرواتب، علنا، ودون خوف ولا حياء.

النظام الفاسد المقنّع بعدالة توزيع الحصص، والمسمى بالمحاصصة، والذي لم يحترم أهل السياسة غيرَه من الأنظمة والقوانين، هو الذي قرر أن تكون رئاسة الوزراء هي الحاكم الأعلى والأقوى معا، والتي تحتكر الحقوق والصلاحيات، كافة، ثم جَعلَها من نصيب الشيعة العراقيين المجازين من قاسم سليماني والقاعدين القائمين بفضله وكرمه وعفوه ورضاه.

ثم أهدى رئاسة البرلمان الخالية من أي فعل حقيقي لسنة السفارة الإيرانية حلفاء هادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي وأبي مهدي المهندس وفالح الفياض.

ثم خصص رئاسة الجمهورية للأكراد، ولكن فقط للمَرضيّ عنهم من قبل ممثل المرشد الأعلى والمكفولين من قبل وكلائه العراقيين، رغم أنها خالية من الدسم، ولا وظيفة لها سوى السفر إلى الخارج للخطابة باسم دولة العراق، وإقامة حفلات الاستقبال والتوديع، وتوزيع الهدايا والعطايا والابتسامات، فقط لا غير.

فلو كان د. برهم صالح، بثقافته وحسن سيرته ونزاهته وسلامته من الطائفية والعنصرية، منتخبا مباشرة من الملايين من الناخبين العراقيين، شيعة وسنة، عربا وأكرادا وتركمانا، مسلمين ومسيحيين، شمالا ووسطا وجنوبا، وليس مُعيَّنا من قبل واحدٍ إيراني وشلة عراقيين يوصفون بأنهم أصحاب الكتل الثلاث الأكبر في البرلمان الذين يديرون شؤون البلاد والعباد من وراء ستار، لكان اليوم هو الحاكم بأمره، وهو السيد المطاع، والذي لا يقل هيبة عن صدام حسين، أو الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أو الفرنسي إيمانويل ماكرون، والألمانية أنجيلا ميركل، ولكان عادل عبدالمهدي، اليوم، بمقام حسن روحاني من المرشد الأعلى، أو بن علي يلدريم من أردوغان، أو عبدالله بن ناصر آل ثاني من الشيخ تميم بن حمد وأبيه الشيخ المتقاعد حمد بن خليفة. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة.

5