حكماء العالم من فلورنسا: حضاراتنا تلتقي لتتحاور لا لتتصادم

أحيانا، لا يمكن حل بعض المعضلات التي تنتاب الدول والشعوب في مسارها الطبيعي ككيانات عالمية حية سوى عبر لقاءات القمة، إذ يمكن أن تكون قمما لقادة سياسيين أو اقتصاديين، ويمكن أيضا أن تكون قمما من نوع آخر، تلك التي يجتمع فيها حكماء العالم، وهو ما حدث في مدينة فلورنسا الإيطالية، أين اجتمع القادة الدينيون من كل أصقاع العالم لتفعيل حوار الحضارات والأديان وتجسيده على أرض الواقع، حسب شيخ الأزهر أحمد الطيب.
الخميس 2015/06/11
مصلحة الفضاء الحضاري العربي محور تفكير المسلمين والمسيحيين العرب في اللقاءات الدولية

فلورنسا (إيطاليا) – شارك الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، في “لقاء حكماء الشرق والغرب: نحو حوار الحضارات” الذي تم عقده في المدينة التاريخية فلورنسا وسط إيطاليا.

وقد ألقى شيخ الأزهر الكلمة الرئيسة للملتقى، أعقبتها محاضرة لأندريا ريكاردي، مؤسس جمعية “سانت إيغديو” المستضيفة لهذا الحدث العالمي. وكان الإمام الأكبر رئيس مجلس الحكماء قد طرح فكرة الملتقى على مجموعة من حُكماء الغرب والذين توسم فيهم الرغبة الصادقة في الانفتاح على الشرق ومد جُسور التعاون، من أجل التعايش السلمي بين بني البشر على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم.

ورحبت جمعية “سانت إيغديو” بروما بتنسيق هذا اللقاء، وذلك باقتراح ملتقى عالمي في مدينة فلورنسا بإيطاليا، يكون بمثابة إعلان عن إمكانية لقاء بين حكماء الشرق وما يحملونه من إرثٍ حضاري عريق، وروحانية مُفعمة بالحب والانفتاح على الغير، وبين حكماء الغرب وما يتمتَّعون به من تقدُّم حضاري. “ولا شكَّ أن مثل هذا اللقاء سيكسر كثيرا من الحواجز المصطنعة التي أُقِيمت عبر زمن طويل”، حسب قول المختصة في العلوم الدولية باتريزيا دال بيانو مديرة الحوار في المنتدى.

وشهدت تحركات شيخ الأزهر في الفترة الأخيرة تواترا وحركية ملفتة في زياراته للعديد من الدول الأوروبية مصحوبا بمسؤولين حكوميين والمفتي الرسمي للدولة وعدد من الباحثين والأكاديميين، وقد أعرب في أكثر من مناسبة عن أن هذه اللقاءات الهدف منها “التعبير المباشر عن آراء قادة المسلمين في التطورات التي تقع هنا وهناك، وعلى رأسها ملف الإرهاب والعنف والطائفية في المنطقة”، الأمر الذي كان من شأنه إعادة صورة الإسلام إلى وضعها الطبيعي، وإقناع قادة الغرب بالانخراط في مقاومة تشويه الإسلام وإصلاح صورته لدى المجتمعات والشعوب في العالم.

وجاء ترحيب مجلس حكماء المسلمين بالتعاون مع مفكرين من مختلف الدول الأوروبية وأستاذة لاهوت وحضارة في العديد من الجامعات العريقة لعقد هذا اللقاء، وقد أكد بيان صادر عن مجلس حكماء المسلمين على الترحيب بالحضور في “لقاء حكماء الشرق وعدد من مفكري الغرب نحو حوار الحضارات” الذي يعقد في فلورنسا، نظرا لتطابق الأهداف التي يحملها اللقاء مع ما يطمح إليه المسلمون: “إقرار السلم في العالم عبر التعارف والتآلف والتعايش بين المختلفين فكريا ودينيا”، مع إيجاد أدوات ووسائل عملية لتعميم ثقافة السلم والتسامح، وتعزيز الحوار داخل المجتمعات المسلمة، إلى جانب دعم الحوار مع جميع الأديان حول مختلف القضايا ذات الإشكالية أو المختلف حولها، مع ضرورة تلاقح الثقافات على شتَّى المستويات الدينية والأخلاقية والفلسفية والمعرفية.

ومن المقرر أن تعقب لقاء مفكري الشرق والغرب بفلورنسا لقاءات أخرى في مدينة القاهرة، مدينة الأزهر الشريف، وفي أبو ظبي مقر الأمانة العامة لمجلس حكماء المسلمين، ومن المنتظر أن يجمع اللقاء الأول جل أعضاء مجلس حكماء المسلمين بمجموعة من حكماء الغرب من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وغيرها، على أن تمثِّل هذه المجموعة المنتقاة ألوان الطيف الغربي من رجال دين وفكر وثقافة وخبرة سياسية.

أنطونيو تياني: تمثيل المسلمين من قبل شيخ الأزهر هو مكسب لهذا اللقاء التاريخي الذي يعقد في فلورنسا

وقد تناول لقاء فلورنسا ثلاثة محاور وهي أساسا “الشرق والغرب والسبيل إلى التفاهم” و”العيش المشترك في ظل العولمة” و”رسالة الشرق والغرب إلى العالم المعاصر”، وهي المحاور التي وضعتها مجموعة من المفكرين والأكاديميين في اجتماعات تحضيرية بهدف تناول حوار الحضارات والأديان من كافة جوانبه وطرح مقاربة شاملة للإجابة قدر الإمكان على كل الأسئلة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

وبدأ حفل الافتتاح بالترحيب بالمشاركين في الملتقى، وقد ترأس جلسة الافتتاح الأب فيتوريو يناري، مسؤول العلاقات الإسلامية المسيحية في جمعية “سانت إيغديو”، وقد شارك في الافتتاح الكاردينال جوزيبي بيتوري، أسقف مدينة فلورنسا وأنطونيو تياني، نائب رئيس برلمان الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى فدريكا موغيريني منسقة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، و فرانشيسكا كامبالا كومبرني، منسقة مهرجان الأديان.

وقد أعرب نائب رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تياني عن شكره لشيخ الأزهر بقبول الدعوة، وأكد أنه بحضور شيخ الأزهر يمكن القول أن النصاب قد اكتمل لبدء النقاش حول القضايا المطروحة في أجندة العمل، “فتمثيل المسلمين من قبل شيخ الأزهر هو مكسب لهذا اللقاء”. ويعول الباحثون والقادة الدينيون الغربيون على العقلانية العربية التي يقودها العرب الآن بعد إزاحة الإسلام السياسي من الحكم خاصة في مصر، وهي ذات العقلانية التي يدعو إليها الجميع اليوم لمحاربة الإرهاب والفتنة والطائفية في مجتمعات تقاوم العولمة والتطرف لتبقى على قيد الحياة سوية وسلمية.

13