حكمة الشرق تتجلى في تنمية العلاقة بين الإمارات والصين

التعويل على تنويع الشراكات وتوسيع قاعدة الاستثمار شرقا، يأتي في ظل تذبذب الموقف الأميركي، الذي يراوح بين الانكماش وبين تكريس نهج بيع فائض القوة، والمتاجرة باستحقاقات التحالفات التقليدية.
الثلاثاء 2019/07/30
علاقات قائمة على فتح آفاق للمستقبل

الاتجاه شرقا كان ولا يزال طموحا ورغبة إماراتية، تقوم على مبدأ تنويع الشراكات وتوزيع الثقل الاقتصادي، لعقد صفقات مع القوى الصاعدة، وأبرزها المارد الصيني، القادم بقوة إلى المشهد العالمي، من بوابة الاقتصاد والتجارة، وممراتها البرية والبحرية وموانئها الإستراتيجية. جاءت زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الصين لتلبي هذه الرؤية، التي تعزز نهج الإمارات في الانفتاح على الثقافات العالمية، وجعل المصلحة هي التي ترسم التوجهات بعيدا عن أي حسابات تقليدية.

ظلت دول منطقة الخليج كمصدر مهم للطاقة العالمية في واجهة العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، مما جعل البوصلة الاقتصادية والتحالفات التجارية تتجه في أغلب الأوقات نحو الغرب. لكن حكمة الصحراء وفلسفة الشرق تلتقيان من جديد، وتجسدان علاقة وثيقة من الشراكة بين محورين شرقيين من أعمدة آسيا.

فالإمارات بنهضتها الصاعدة ونبوغ اقتصادها وتسامح مجتمعها وحرفية قوانينها ومتانة بنيتها التحتية. والصين المنفتحة اقتصاديا على العالم، التي ما إن مدت يدها، حتى وجدت الإمارات مستعدة لشراكة متميزة، عنوانها الإنجاز والنمو والتطور لما فيه مصلحة الطرفين.

كانت رؤية الشيخ زايد بن سلطان، ولا تزال، تحكم توجه القيادة الإماراتية الحالية. ويجسد الشيخ محمد بن زايد نهج والده الحكيم ويسير على خطاه. وما يمكن استنتاجه من الزيارة الأخيرة إلى الصين، أن بناء العلاقات بين البلدين مستمر، وأن الفائدة المرجوة من التعاون الاقتصادي والعلمي كبيرة جدا، وتعود بالنفع على الإمارات والمنطقة بشكل عام، لأن ازدهار الإمارات وتعملقها اقتصاديا، ينعكس دائما بالخير والفائدة على كافة المقيمين على أرضها، وكذلك ينعكس بصورة إيجابية على تحريك عجلة الاقتصاد والتنمية في عموم المنطقة، وبخاصة في ظل وجود الترابط التجاري والاقتصادي الذي تتأثر مؤشراته الإيجابية وتظهر علاماتها على كافة الأسواق المحيطة.

الاتجاه شرقا نحو الصين، عنوان حكمة المرحلة الحالية التي تمتد إلى المستقبل، في ظل الحاجة إلى تنويع الشراكات، ولكي نجعل عربة الاقتصاد تخدم السياسة أيضا، بما للاقتصاد من ثقل وتوطيد مصالح وازنة، تعمل في أوقات الشدة على تأمين فرص السلام والاستقرار في منطقتنا وقارتنا، على قاعدة مصالح اقتصادية متينة.

إن التعويل على تنويع الشراكات وتوسيع قاعدة الاستثمار شرقا، يأتي في ظل تذبذب الموقف الأميركي، الذي يراوح بين الانكماش وبين تكريس نهج بيع فائض القوة، والمتاجرة باستحقاقات التحالفات التقليدية وما يترتب عليها. وفي عهد دونالد ترامب تحديدا، أصبحت الولايات المتحدة تضع على رأس أجندتها الخارجية، بيع التزاماتها كقوة عسكرية، كانت في السابق معنية بالوفاء مع حلفائها ضمن مبادئ واتفاقيات مشتركة، بينما عملت سياسة ترامب على تحفيز الآخرين إلى تبني سياسة عدم الاعتماد الكلي على الشريك الأميركي.

كان الجميع ربما ينتظرون أن تتوجه الإمارات بثقلها الاستثماري والاقتصادي من جديد لتحفيز الشريك الأميركي، وضخ سيولة إضافية لفتح شهية الولايات المتحدة، لإقناعها بالتخلي عن سياسة الانكماش، لكن الفضاء الاقتصادي العالمي يوفر بدائل إضافية، وتأتي الصين في مقدمة تلك البدائل، بل إنما تتميز بكونها ترضي الطموح الإماراتي والعلاقات مع بكين تبشر بحصد مكاسب في المستقبل تعزز تقارب الطرفين الإماراتي والصيني، في ظل تمهيدات وعلاقات متدرجة سبقت الاتفاقيات التي تم توقيعها، سواء خلال زيارة الرئيس الصيني إلى الإمارات العام الماضي، أو التي تم توقيعها خلال زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى بكين.

وباستعراض موجز لمحاور الاتفاقيات بين عدد من مؤسسات القطاع الخاص في دولة الإمارات وجمهورية الصين، نلاحظ أنها شملت مجالات الاقتصاد والطاقة والتعليم والذكاء الصناعي والمجال العسكري، إضافة إلى اتفاقيات أخرى في مجالات المؤسسات التعليمية والتحاور الإستراتيجي والتدريب وتبادل خبرات.

وهناك مذكرة تفاهم لتشجيع المؤسسات الإماراتية والصينية على التعاون التجاري والاقتصادي مع أفريقيا ومذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وحظيت شركات القطاع الخاص العملاقة في الإمارات بفرص كبرى على هامش الزيارة بل في متنها، ومن ضمن تلك الشركات الإماراتية التي خرجت بصفقات استثمارية بعيدة المدى، شركة أدنوك، وشركة «إعمار العقارية» وشركة الظاهرة الزراعية، وشركة جلوبال إيرواسبيس لوجيستكس «جال»، ومجموعة إنترناشيونال غولدن جروب، وغيرها من المكاتب والشركات.

ولعل ما يؤكد صواب التوجه الإماراتي المتزايد نحو تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الصين، أن المارد الصيني مستمر في النمو الاقتصادي، رغم بعض التراجعات الطفيفة مؤخرا، وإن كانت متوقعة في ظل الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة.

وبحسب مؤشرات قدرة الصين على تجاوز العقبات خلال السنوات الماضية، من المتوقع أن تتجاوز الصين الإشكالية التي ترتبت على عقوبات الولايات المتحدة وقيود شركة غوغل على الشركة الصينية العملاقة هواوي. وهناك مظاهر أخرى للحرب الاقتصادية بين الصين وأميركا، لكنها لا تحد من استمرار دوران عجلة الاقتصاد الصيني المتنوع.

وبنظرة سريعة على بعض ملامح الحراك الاقتصادي والتجاري في الصين، يبدو أن أزمة شركة هواوي ربما تدفع الصين إلى إعادة صياغة إستراتيجية الاعتماد على صناعة منتجات تستخدم التكنولوجيا الأميركية. إذ أصبح مطلوبا من الصين بالفعل الانتقال من إجادة التقليد في الصناعات الإلكترونية إلى الابتكار، فقيود غوغل قد تتكرر لتسبب خسائر في منتجات إلكترونية أخرى في المستقبل.

الجزء الثاني من جولة الشيخ محمد بن زايد الآسيوية، شمل زيارة إندونيسيا. وفي جاكرتا وصفت وسائل الإعلام الشيخ محمد بن زايد بالضيف المميز لدى القيادة الإندونيسية. وبالمثل جرى التوقيع بين البلدين على عدد من الاتفاقيات، شملت التعزيز والحماية المتبادلة للاستثمارات، والتعاون في المجال الدفاعي، وتعديل اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب المالي، ومذكرة تفاهم حول التعاون الثقافي،  وتعاون مجالات الصناعة والسياحة.

ومن المتوقع أن تؤتي مجمل الاتفاقيات التي أبرمتها الإمارات مع دول شرق آسيا ثمارها في المستقبل القريب، بالتزامن مع تزايد استيعاب السوق الإماراتية للشركات الآسيوية وفي مقدمتها الصينية. مع وجود مساحات أمان قانوني وضريبي وفرص ازدهار وتطور مشروعات الابتكار التي تولد العديد من فرص الاستثمار.

ولا ننسى أن العام الحالي 2019 يطوي شهوره، لتستقبل الإمارات الحدث الاقتصادي العالمي الكبير إكسبو دبي 2020، وبدوره سيعمل هذا الحدث على فتح آفاق اقتصادية كبرى، تعزز من تميز الإمارات كوجهة دائمة لجذب الاستثمارات والسياحة وفتح مجالات عمل متجددة. لذلك تحرص الحكومات والمستثمرون آسيويا وعالميا على مد جسور العلاقة مع الإمارات، لجني فوائد مشتركة وتحقيق شراكات مميزة.

8