حكمة عراقية تضيء دار الحكمة بتورينو الإيطالية

الجمعة 2014/05/30
صديق أثبت ارتباطه الوثيق بوطنه الأصلي وواصل كفاحه الجاد لتقديم المعونات إلى شعبه

الروائي العراقي يونس صديق المقيم منذ أربعين عاما في مدينة تورينو بشمال إيطاليا، لم يكتف بما ناله من علم ومعرفة توّجهما بشهادة الدكتوراه في الأدب المقارن، بل سعى إلى أن يكون حضوره الإنساني والثقافي موازيا لدوره الأكاديمي والإبداعي، وهو ما تجسّد في تأسيسه لدار الحكمة حتى تكون مؤسسة تمارس دورا ثقافيا واجتماعيا، تلتقي بين أروقتها ثقافة الشرق بثقافة الغرب.

لم يكتف يونس صديق بأدواره الإبداعية في نشر خمس روايات كتبها باللغة الإيطالية، ولا بنيل أرفع جائزة أوروبية تُمنح للعمل الأول المكتوب باللغة الأجنبية، ولا حتى بإصداره أربع مجموعات شعرية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما انخرط في العمل الاجتماعي لمساندة المهاجرين، من العرب والمسلمين على حدّ سواء، والعمل بكل ما يملك من علاقات رصينة مع الأوساط العليا في المجتمع الإيطالي من أجل المساهمة بشكل فاعل في اندماجهم مع المجتمع الجديد، وتحقيق كل مَا من شأنه أنْ يُساهم في ارتقاء العلاقات الإنسانية بين مكونات المجتمع، بالشكل الذي يحقق الأمن والسِّلم الاجتماعي.


وحدة الثقافات

من منظور ما يؤمن به يونس صديق من ضرورة التفاعل بين ثقافتي الشرق والغرب، جاء مشروعه بتأسيس دار الحكمة، لتكون مؤسسة تمارس دورا ثقافيا واجتماعيا، تلتقي بين أروقتها ثقافة الشرق بثقافة الغرب، على أسس يفرضها حوار متبادل، من أجل تعميق وإثراء الثقافة الإنسانية، ولتبديد عوامل الخوف والشك والالتباس التي سادت المجتمع الدولي بعد شيوع ظاهرة التطرف الديني خاصة بين المسلمين، منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي.

كان تأسيس الدار في منتصف تسعينات القرن الماضي حلما أثيرا لدى يونس صديق ظل يداعب مخيلته عدة أعوام منتظرا اللحظة التي يجد فيها عوامل تساعده على تحقيق هذا المشروع، وليصبح أمرا واقعا قابلا للتنفيذ، خاصة وأن الكلفة التي تقتضي إنجازه لم تكن ملك يديه، فتمكن بعد جهود حثيثة من الحصول على مبنى قديم تابع لبلدية تورينو.

وبدأ صديق مع زميله المهندس المعماري العراقي محسن كاظم كريم الذي يقيم هو الآخر منذ أكثر من 30 عاما بإيطاليا في رسم مخططات جديدة لإعادة ترميم وتصليح وتحوير المبنى بالشكل الذي يخدم المشاريع الثقافية والاجتماعية الكبيرة التي كانت في مخيلة يونس، وبعد مضي أكثر من عام، انتهى العمل بكل مراحل التعديلات التي أجريت على المبنى، وأصبح بشكله المعماري الجديد يضمّ في طابقه الأرضي مطعما شرقيا بطرازه المغربي، تُقدَّمُ فيه أصناف الأكل الشرقي والإيطالي، والطابق الأول من المبنى، ضمَّ صالة كبيرة لعقد الأمسيات والندوات الثقافية، تتسع لأكثر من 200 كرسي، مع كافتيريا صغيرة مجاورة تستوعب أكثر من أربعين كرسيا، هذا إضافة إلى حمام شرقي بات يستقطب الإيطاليين مثلما يستقبل العرب المهاجرين، من النساء والرجال في أيام مخصصة لكليهما.

استضافت أروقة الدار أمسيات فنية أحياها عازف العود العراقي الفنان خالد محمد علي وعازف القانون حسن فالح


بيت الإبداع

استضافت الدار بفضل السمعة الرصينة التي يتمتع بها يونس صديق بين أوساط المثقفين العرب والأجانب، العديد من الأسماء الكبيرة في عالم الإبداع والثقافة العربية وخصصت لها أمسيات وندوات، حضرها جمهور كبير من الجاليات العربية المقيمة في إيطاليا وأوروبا، فقد شرَّف الدار على سبيل المثال، الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، والروائي المغربي الطاهر بن جلون، والكاتبة المصرية نوال السعداوي والروائية السعودية رجاء العالم والشاعر الفلسطيني سميح القاسم والشاعر السوري أدونيس والمخرج المسرحي العراقي سامي عبدالحميد والفنان سامي قفطان، هذا إضافة إلى ضيوف آخرين من إيطاليين وأوروبيين.

لم يقتصر الأمر على استضافة الشعراء والأدباء بل تعدّى ذلك إلى تفعيل الأنشطة الفكرية الأخرى، فقد شهدت الدار جلسات وندوات تناولت شؤونا مختلفة يضج بها العالم العربي والإسلامي، شارك فيها مفكرون وسياسيون من الشرق والغرب، آخرها كانت ندوة عقدت في منتصف شهر مايو الجاري، لمناقشة المتغيرات السياسية الحاصلة في سوريا والعراق وليبيا والجزائر وتونس، حضرها ممثلون عن هذه البلدان في المقدمة منهم الباحث الاجتماعي الجزائري فؤاد علام وإيمان بن محمد من تونس ومروان ياسين وهيثم بردى من العراق.

كما استضافت أروقة الدار أمسيات فنية أحياها موسيقيون عرب معروفون مثل عازف العود العراقي الفنان خالد محمد علي وعازف القانون حسن فالح، كما أقيمت على أرض الدار معارض فنية لفنانين تشكيليين، منهم الفنان العراقي الراحل إياد العبَّار، كما شهدت الدار إقامة معارض فوتوغراف، وحفلات لتوقيع إصدارات أدبية جديدة.

درويش وبن جلون ونوال السعداوي من ضيوف الدار


سينما وتشكيل

ملامح الدار وهويتها الثقافية باتت تتضح يوما بعد آخر وأمست جزءا حيويا من المشهد الثقافي الإيطالي، لا يمرّ عليها يوم واحد دون أن تكون بؤرة لنشاط ثقافي واجتماعي يلقي بظلاله الوارفة على مدينة هادئة كانت ومازالت عنوانا بارزا لصناعة السيارات.

الأجمل في دار الحكمة ما نجده من عناصر وكفاءات فنية ومهنية شابة استطاع يونس صديق أن يحتويها بين أروقة الدار، فهنالك سينمائيون شباب من المغرب العربي، مثل المخرجيْن الكبير مفتاح وسعيد نجاع، فقد وجدا في دار الحكمة فضاء رحبا، من خلاله تمكن كلاهما من تحقيق أولى خطواته في عالم الفن السينمائي والمسرحي بعد أن فتح صدّيق ذراعيه لهما، وقدّم كل ما يحتاجانه من دعم مادي ومعنوي، فأنتجا أفلاما سينمائية قصيرة، سيشاركان بها في المهرجانات الدولية، هذا إضافة إلى الأعمال المسرحية، وفي الجعبة مشاريع أخرى، في النية العمل عليها وإنجازها.

كل ما تحقق عبر هذه الدار أساسه خاصية الاعتدال في الرؤية والمواقف التي يتسم بها مؤسسها ومديرها يونس صديق، وهذه الصفة هي التي جعلته محطّ احترام جميع الأطراف رغم اختلافاتهم الفكرية، وهذا ما سعى إليه دائما في أن يكون عامل جمع لما هو مختلف، والنأي بأحلامه ومشاريعه بعيدا عن حافات التطرف، وقد ساهمت شخصيته الأدبية الرصينة وأناقة طبعه، في تحقيق هذا الهدف السامي.

وعلى الرغم من أنّ صدّيق يحمل الجنسية الإيطالية إلاّ أنه لم يتخل عن ارتباطه الوثيق بوطنه الأصلي، بل واصل كفاحه الجاد لتقديم المعونات لشعبه وأهله في معظم الأزمات التي مرّ بها، فأرسل شحنات من الأدوية أيام الحصار في تسعينات القرن الماضي، كما أرسل الأغذية بعد أن تكللت جهوده بالنجاح في إقناع منظمات وجهات رسمية وغير رسمية لتقديم المساندة والمساعدة لوطنه الأم.


الحكمة عراقية

في كلّ ما أنجزه يونس صدّيق، وما يسعى إلى إنجازه في قادم الأيام لا يقصد شيئا سوى أن يفتح أبواب اللقاء والحوار بين الحضارات والثقافات الشرقية والغربية، لإزاحة ما تراكم من أوهام وهواجس تسببت فيها سياسات خاطئة لأنظمة وحكومات من هذا الطرف أو ذاك، وكان رهانه قائما على العامل الثقافي أولا وأخيرا، باعتباره الأكثر قدرة وفاعلية على تقريب العواطف والمشاعر بين الشعوب.

يذكر أن الروائي يونس صديق من مواليد مدينة الموصل 1957، غادر العراق عام 1979، وأنهى دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في إيطاليا. وسبق أن فاز صديق بجائزة أفضل شاعر عام 78 قبل أن يغادر وطنه العراق، وأصدر وترجم فيما بعد عددا من الكتب والدراسات التي تعنى بالتراث الإسلامي الصوفي، وأخرى لتعليم اللغة العربية للأجانب، إضافة إلى أربع مجاميع شعرية وخمس روايات كلها مكتوبة باللغة الإيطالية.

15