حكم الأحزاب الدينية في العراق ينتهي إلى فوضى عارمة

أزمة حكومة التكنوقراط وما أفضت إليه من فوضى سياسية، أكّدت بلوغ تجربة حكم الأحزاب الدينية في العراق نهايتها الطبيعية. ومراقبون يتوقّعون اندلاع ثورة شعبية غير قابلة للضبط والتوجيه ويحذّرون من موجة عنف في البلد الذي يخلو تاريخه المعاصر من التغييرات السلمية السلسة.
الجمعة 2016/04/15
ألف سبب للثورة

بغداد - يصف متابعون للشأن العراقي ما انتهت إليه أوضاع البلد في الفترة الراهنة بـ”الفوضى العارمة”، محذّرين من أنّ إضافة أزمة سياسية إلى الأزمتين الأمنية والاقتصادية، تجعل الدولة العراقية أقرب من أي وقت مضى إلى الفشل والانهيار.

ويشير هؤلاء إلى الأجواء السياسية بالغة التوتّر التي سادت العراق منذ إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عزمه تشكيل حكومة جديدة من تقنيين غير متحزّبين، الأمر الذي اعترضت عليه الكتل والأحزاب المشاركة في العملية السياسية، حفاظا على مواقعها في السلطة، وحاولت الالتفاف عليه بشتى الطرق، غير مستثنية إشاعة أجواء من الفوضى والفراغ بلغت مداها الخميس بإقدام عدد من نواب البرلمان على إقالة رئيس مجلس النواب، في عملية رافقها تشكيك كبير في دستوريتها، فيما أكّد نواب من كتل شيعية استمرارهم في العمل على إقالة رئيسي الحكومة والنواب، ما يعني قفزة في المجهول لبلد يخوض حربا طاحنة ضد تنظيم داعش ويعرف حالة من شبه الإفلاس المالي.

وعكست مجمل الأحداث السياسية التي عرفها العراق، طيلة الأشهر الأخيرة، وتحديدا منذ اندلاع حراك احتجاجي تلقائي صيف العام الماضي للمطالبة بالإصلاح وتحسين الأوضاع الاجتماعية، وجود ممانعة كبيرة لإصلاح النظام الذي أرسته الولايات المتحدة بالتعاون مع إيران، في العراق بعد غزوه وإسقاط نظام الرئيس السابق صدّام حسين وجعلتا من الأحزاب الدينية، وخصوصا الشيعية، نواته الصلبة، وأقامتاه على تقاسم السلطة وفق مبدأ المحاصصة الحزبية والعرقية والطائفية.

وتجلّت تلك الممانعة بشكل جلي في تشبث الكتل السياسية بمواقعها الحكومية ومناصبها الإدارية، من خلال الاعتراض على مقترحات رئيس الوزراء بتشكيل حكومة من التكنوقراط، حتى أفضى الأمر إلى ما هو قائم اليوم من فوضى سياسية تدفع البلد باتجاه الفراغ. ولا تسعى الكتل السياسية العراقية إلى الحفاظ على مواقعها في السلطة وما يتأتى لها من ورائها من مكاسب مادية مباشرة، فحسب، لكنها تعمل أيضا على حماية كبار قادتها ورموزها من المحاسبة، بعد تورّطهم في ملفات فساد كبيرة ونهب واسع لموارد الدولة يفسر حالة الإفلاس للبلد الغني بثرواته الطبيعية المتعدّدة من نفط ومياه وأراض شاسعة صالحة للزراعة.

وفي ظل النقمة الشعبية على كبار رموز وقادة العملية السياسية في العراق، وفي ظل العداء الشديد المستحكم بين هؤلاء بحدّ ذاتهم وفي نطاق العائلات السياسية التي ينتمون إليها، فإنّ فقدان أي منهم للسلطة سيعني خضوعه للمحاسبة، التي قد تصل حدّ الانتقام، في ظلّ ضعف مؤسسة القضاء وخضوعها بدورها للولاءات الحزبية، وحتى الطائفية.

ويذهب أكثر المراقبين تشاؤما بشأن الوضع القائم في العراق، حدّ التحذير من موجة عنف قد تندلع وتزيد من تعكير الأوضاع الأمنية الهشّة أصلا، وذلك في ظلّ فوضى السلاح وكثرة الميليشيات ذات الارتباطات والولاءات الحزبية.

ويؤكّد هؤلاء أنّ تجربة 13 سنة من حكم الأحزاب الدينية أظهرت في أكثر من محطّة عدم استثناء اللجوء إلى السلاح لتحصيل مكاسب سياسية أو مادية، أو لإزاحة منافسين وخصوم، ويذكّرون بأن التاريخ المعاصر للعراق يخلو من التغييرات السلمية السلسة.

ومع ما بلغه الوضع العراقي من تعقيد على مختلف الصعد، تبدو تجربة حكم الأحزاب الشيعية قد بلغت نهايتها الطبيعية، ما يجعل حدوث تغيير جذري للنظام القائم أمرا حتميا.

وكانت المظاهرات الاحتجاجية التي ظلّت مدن عراقية، من بينها العاصمة بغداد، تشهدها بشكل شبه متواصل منذ الصيف الماضي، قد عكست من خلال الشعارات المرفوعة وجود رغبة شعبية في إحداث تغيير سياسي جذري، لكن ذلك الحراك الاحتجاجي انتهى باستيلاء الزعيم الشيعي مقتدى الصدر عليه، وتوجيهه بعيدا عن تهديد أسس النظام الديني القائم، وحصر مطالب الجماهير في إحداث تغيير حكومي واسع.

وحتى التغيير الحكومي ـ الذي يظل بعيدا عن تحقيق مطالب الجماهير العراقية في تحسين الأوضاع الاجتماعية ومحاربة الفساد وتحقيق الأمن- بدا غير متاح بفعل اعتراض الكتل السياسية عليه، ولاحقا بصراعها للفوز بحصّة فيه.

ومع اشتداد الاحتقان، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، يبدو الشارع العراقي –بحسب مراقبين- مهيأ لانفجار لن يكون بمقدور الصدر، أو أي من الرموز الدينية والسياسية، التحكّم فيه بعد أن خسر الجميع ثقة العراقيين، وبعد أن كشفت أزمة حكومة التكنوقراط بشكل نهائي استعداد الطبقة السياسية العراقية للتضحية بكل شيء عدا المناصب.

3