حكم البيروقراطية في العالم العربي

تعتبر البيروقراطية، في دول العالم العربي، من ضمن أهم المفارقات التي تحدث في هذا العالم والتي تلعب دورا حيويا في بناء واستدامة الدول العربية المستقلة، إلا أنها الآن تعوق النمو وأصبح التغيير ضروريا.
الأربعاء 2018/01/31
العالم العربي أمام واقع "قفز الحواجز" لتخطي عقبات البيروقراطية

منذ خمسينات القرن الماضي، كانت الخدمات العامة هي القوة الأساسية التي تقوم عليها دول العالم العربي، وحتى عندما اندلعت ثورات الربيع العربي، ظلت هذه الخدمات آخر خط دفاع ضد الفوضى.

وحتى بعد أن سقطت العديد من القطاعات الحكومية، وقفت البيروقراطية حارسا على المعبد. وواصلت الدوائر الحكومية والعامة تقديم خدماتها للناس، حتى عندما اعتبرها البعض تجسيدا للدولة العميقة المناهضة للثورة.

وحتى في أصعب أيام الانتفاضات في مصر وتونس، استمرت البيروقراطية في تلبية الطلب العام ليس فقط على المياه والكهرباء، ولكن أيضا في توفير الطمأنينة بأنه لا يزال هناك أشخاص مسؤولون.

وفي العديد من الدول العربية، التي فشل فيها الاقتصاد في توفير الاحتياجات الضرورية، أصبحت الخدمات العامة ملاذا أخيرا لتعويض الناس، مما أدّى إلى تفاقم عجز الميزانية في الاقتصادات التي تعاني من الضوائق المالية.

ولعب فشل القطاع العام في التوفيق بين الأنظمة التعليمية وسوق العمل دورا حيويا في اندلاع ثورات “الربيع العربي”.

وبحسب ما قاله البنك الدولي “توظف قطاعات الخدمات العامة ما لا يقل عن نصف العاملين بأجر في القطاع الحكومي، ولا نستثني من ذلك الدول العربية. ولكن على الرغم من ذلك، تحفل العديد من دول العالم العربي بسجلات غير مسبوقة من بطالة الشباب، والنشاط الاقتصادي غير الرسمي، والعقبات التي تحول دون تنظيم المشاريع وانتشار الفساد”.

وتعكس أوجه القصور هذه الحالة المؤسفة التي وصلت إليها دول العالم العربي، التي بدأت مسيرتها بثروات أقل وبوعود أقل.

تجربة إستونيا

بالنظر إلى دولة صغيرة مثل جمهورية إستونيا، حيث تم اختراع برنامج الاتصال عن بعد “سكايب”، نجد أن جميع الخدمات الحكومية يتم تنفيذها عبر الإنترنت. كما يتم أيضا تدريس الأطفال برمجة الكمبيوتر في مرحلة رياض الأطفال. وتقدر الحكومة القيمة المضافة للخدمات عبر الإنترنت إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2 بالمئة.

في أصعب أيام الانتفاضات في مصر وتونس، استمرت البيروقراطية في تلبية الطلب العام ليس فقط على المياه والكهرباء، ولكن أيضا في توفير الطمأنينة بأنه لا يزال هناك أشخاص مسؤولون

ولكن يظل الكثيرون في العالم العربي يلقون باللوم عن التخلف على قوى الاستعمار أو على فترة الضعف والهوان التي كانوا يعانون منها بعد الاستقلال. وفي الواقع، حظيت معظم الدول العربية ببداية أفضل كدول مستقلة عن إستونيا التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي في عام 1991. فقبل الاستقلال، كان الإستونيون يضطرون إلى الانتظار لمدة 10 سنوات، في المتوسط، لمجرد الحصول على هاتف بخط أرضي.

وقد رأت النظرية النيوليبرالية أن الخدمات العامة تقف عائقا أمام الحرية الاقتصادية. وبحسب تقرير بعنوان “الحرية الاقتصادية في العالم العربي”، الذي نشره معهد “فريزر إنستيتيوت” في نوفمبر الماضي، فإنه “يمكن للبيروقراطية أن تعرقل توسع وريادة الأعمال وخلق فرص العمل”.

وتظل البيروقراطية السبب الأساسي في مقاومة التغيير البنّاء وحرية المبادرة. فبدلا من تعزيز بيئات عمل سليمة، ركزت البيروقراطيات على إدارة القوانين والإجراءات الروتينية، سواء كانت من موظفي الخدمة المدنية أو من قطاعات أخرى من المجتمع.

وليس من السهل تقليص حجم هذه الإجراءات، ولا سيما بالنسبة للفئات الفقيرة من المجتمع. كما أن المساس بها يتعارض تماما مع مصالح مؤيدي البيروقراطية والسياسيين ممن يودّون الحفاظ على حالة الاستقرار السياسي.

إن العمل بالقوانين واللوائح القديمة يعطي البيروقراطيين إحساسا زائفا بالأمان، ولكنه يمكن أن يدمّر فرص المجتمع في التقدم.

ويتمثل ضعف الوضع الحالي في قدرة البيروقراطيات على إحباط معنويات الشعوب وتدمير الثقة في الحكومة. وعندما يحبط حمل البيروقراطية الثقيل آمال المواطنين في التغيير والإصلاح، يمكن رؤية شرارة الثروات تندلع كنتيجة لذلك. ونشأ الروتين، كما هو الحال في أجزاء كثيرة من العالم العربي، على أساس مبدأ عدم الثقة وافتراض خيانة الأمانة؛ فكل وثيقة يتم تقديمها هي مزوّرة حتى يتم التحقق من صحتها.

ولكل وثيقة موقعة يجب إثبات أن التوقيع حقيقي، ما يعني ضرورة توفير موظف مدني يشهد على صحة التوقيع مقابل تقاضيه أجرا. هذه الإجراءات الروتينية يمكن أن تستهلك نصف يوم إن لم يكن أكثر.

ولكن الميزة الوحيدة التي يمكن تعويضها في هذا الروتين هي أن هذه الإجراءات التي تستغرق وقتا طويلا تُبقي الموظفين مشغولين طوال الوقت.

وفي العالم العربي، يحتاج الناس إلى التحلي بالمزيد من الصبر عند تقديم الوثائق والتوقيعات والطوابع المطلوبة لتقديم طلب للحصول على جواز سفر، أو شراء منزل أو إمداد الشركة بالكهرباء أو السعي للحصول على رخصة استيراد بالعملة الصعبة.

ويتعرض المواطن في الغالب إلى عدد لا متناه من الإجراءات التي يتوجب عليه المرور بها، وهذا الشعور بالعجز يوفر البيئة المناسبة التي تشجع على الفساد.

زاهد حسنين: الحكومة الإلكترونية يمكنها زيادة القدرة المالية للدولة والحد من الإنفاق المهدر وتحسين الشفافية

ويبدو أن البيروقراطية الأوروبية، التي أثرت على عادات الخدمات الحكومية في معظم أنحاء العالم العربي، تشهد في نهاية المطاف تحولا جذريا. حتى في فرنسا، حيث كانت البيروقراطية عميقة الجذور، قررت الدولة أن تبدأ بالثقة في مواطنيها. واعترفت قائمة الإصلاحات التي تم إنشاؤها حديثا بـ”حق المواطنين في الخطأ” عند ملء الوثائق الرسمية، بما فيها الوثائق الضريبية.

لا ثقة بين المواطن والحكومة

يشهد انعدام الثقة تضخما وخطورة في الدول ذات المركزية المفرطة، وذلك بسبب ما يسمى بالموروثات الاجتماعية. ففي هذه الدول قد يكون انعدام الثقة في الحريات، سواء كان اقتصاديا أو شخصيا، متأصلا في تصور المواطنين بشكل أبدي.

والبديل هو أن تبدأ هذه النظم في الإيمان بالفرص الكثيرة التي يمكن أن تتحقق كنتيجة للقضاء على انعدام الثقة والسيطرة المطلقة على المبادرة الفردية. وإلى جانب عدم الثقة، هناك كارثة أخرى تنتج عن الطبيعة المدمرة للبيروقراطية في معظم أنحاء العالم العربي، وهي تجاهل الوقت.

وعلى الرغم من ذلك، أظهرت بعض الدول العربية تقدما ملموسا في الحد من التأخير الناتج عن الإجراءات الروتينية. ويظهر تقرير البنك الدولي بعنوان “أنشطة الأعمال 2018” أنه في بعض دول الخليج، مثل الإمارات أو البحرين، يمكن للمواطن أن يقضي نفس الوقت الذي تتطلبه الإجراءات في الدول المتقدمة من أجل تسيير أعماله. ولكن في دول عربية أخرى، أثقلت كاهلها البيروقراطية، يسير التغيير بسرعة أقل بكثير.

فعلى سبيل المثال، يستغرق تسجيل العقارات في مصر ما لا يقل عن 75 يوما، مقابل 20 يوما في الدول الأوروبية.

ويستغرق بدء أي نشاط تجاري في الضفة الغربية وقطاع غزة 43 يوما، مقابل عشرة أيام في أوروبا. كما أنك تحتاج إلى الانتظار 180 يوما لتوصيل تيار كهربائي إلى منزلك في الجزائر، مقارنة بـ66 يوما في أميركا اللاتينية.

ويتطلب الحصول على رخصة بناء 249 يوما في لبنان مقابل 154 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي يتمتع فيها الفرد بدخل مرتفع.

ولكن لا يجب أن نلقي بكل اللوم في ما يتعلق بالبيروقراطية على الموظفين وحدهم ونتهمهم بالكسل وجمود العقل. فهم أيضا مكبلون باللوائح والقيود التي لا تنتهي. وفي التحليل النهائي، تُترجم كل أيام الانتظار الضائعة في النهاية إلى سنوات وعقود من تأخر التقدم والنمو.

دوامة الأختام

ويأتي الركن الثالث الذي ترتكز عليه البيروقراطية في الدول العربية، وهو العلاقة الوطيدة التي تربط بين الخدمات العامة وتلك الأشكال الرمزية: الورق والطوابع والأختام، إلخ.

تظل البيروقراطية السبب الأساسي في مقاومة التغيير البنّاء وحرية المبادرة. فبدلا من تعزيز بيئات عمل سليمة، ركزت البيروقراطيات على إدارة القوانين والإجراءات الروتينية

ففي دول شمال أفريقيا مثلا، يحظى الختم بقيمة أسطورية. ولعمل ختم خاص بك، يتطلب الأمر الاستعانة ببطاقة الهوية وإثبات الوضع القانوني للاسم أو العنوان الذي تريد أن تطبعه على الختم. فالختم الخاص بك هو بمثابة تصريح مفتوح لا يمكن لأي صفقة أن تتم من دونه.

ولكن يظهر شعاع الأمل في الأفق؛ فمع تحسن إمكانية الوصول إلى الإنترنت في العالم العربي، يمكن أن توفر الخدمات عبر الإنترنت بديلا لهذه الإجراءات المرهقة. وشهدت بعض دول الخليج تقدما ملحوظا بشكل أفضل من الأوضاع الحالية في بعض دول العالم العربي الأخرى، ربما بسبب خدمة الإنترنت المتقدمة في هذه الدول أو أيضا بسبب انتشار الهواتف الذكية. ولكن الدول العربية الأخرى الأكثر اكتظاظا بالسكان، لم تبد أيّ تقدم بعد، يجب أن تدرك أن العالم يتقدم من حولها.

وللتكنولوجيات الجديدة القدرة على تحسين كفاءة الخدمات الحكومية؛ يقول خبير البنك الدولي، زاهد حسنين، إن الحكومة الإلكترونية “يمكنها زيادة القدرة المالية للدولة والحد من الإنفاق المُهدر وتحسين الشفافية”.

ويمكن للحكومة الإلكترونية أيضا أن تحد من فساد الموظفين؛ فمن جانبها، قالت عناية عزالدين، وزيرة الدولة لشؤون الإصلاح الإداري في لبنان “التحول الرقمي للخدمات الحكومية هو الطريقة الوحيدة التي تستطيع الحكومة من خلالها أن تتبع مسار كل مليم يتم إنفاقه، كما يمكن لهذه الوسيلة أيضا الحد من انتشار الفساد بين الموظفين”.

ويمكن لوسائل التواصل الاجتماعي كذلك أن تلعب دورا هاما في ردع التعسف أو التقصير في أداء الموظفين بالقطاع الحكومي. حيث يمكن لصور المكاتب الخاوية خلال دوام العمل والتي يتم نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي أن تحدّ من تكرار التغيب عن العمل.

ويمكن للتكنولوجيات الجديدة أيضا أن توفر الكثير من الفرص غير المتوقعة، ولكنها لا تستطيع معالجة جذور مشاكل قطاع الحكومة الأساسية التي تسبب فيها سوء تسيير الإدارة.

ويثبت ذلك أن الاعتماد المفرط على القطاع الحكومي هو أحد مظاهر فشل السياسات الاقتصادية وانعدام الرؤية السياسية. فقط القيادة السليمة يمكنها علاج هذه المشكلة. وبمجرد أن يحدث ذلك، يمكن للقطاع العام أن يصبح حافزا على التقدم، وربما تنشأ هناك إستونيا جديدة في العالم العربي.

كاتب تونسي

12