حكم الفيديو يشق طريقه في الدوريات العربية وسط تحديات تقنية ومالية

التحكيم التقليدي يظل في مرمى اتهامات الجماهير وتقنية الفيديو وجدت طريقها لفرض وجودها لتصبح أحد أساسيات اللعبة الأكثر جماهيرية.
الأحد 2020/01/19
مراهنة على "الفار" في حل أزمات التحكيم

تقنية حكم الفيديو أو “الفار”، تشق طريقها سريعا إلى بعض الدوريات العربية، وسط إشكاليات متباينة، تتراوح بين التكلفة المالية الباهظة والثقافة الجماهيرية الجامدة والتي ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتقتنع دائما بتعرض فريقها المفضل للظلم، وهو ما يحيط هذه التقنية بشكوك لتطبيقها باحترافية عالية، في وقت تغزو فيه الدوريات الأوروبية، وأصبح تطبيقها شاملا لعدد كبير.

القاهرة – قطعت بعض الدوريات العربية حاليا خطوات كبيرة نحو التطبيق الشامل لتقنية حكم الفيديو المساعد “الفار” تحت ضغوط متصاعدة من الجماهير، لكنها تصطدم في الوقت ذاته بضعف البنية التحتية اللازمة للتطبيق، والتكلفة المالية الباهظة، وغياب الكوادر التحكيمية المؤهلة للتعامل مع التقنيات الحديثة.

تشهد دوريات عربية شدا وجذبا مستمرّين بين روابط الحكام والأندية بسبب الأخطاء التحكيمية المستمرة، والتي يتم تأويلها دائما بسوء نية واتهام العنصر البشري بالتواطؤ أو الرشوة، وتكبدت بعض الفرق تكلفة مالية باهظة لاستقطاب أجانب لإدارة المباريات الهامة خوفا من انحياز المحليين إلى الطرف الآخر.

قررت اللجنة المؤقتة لإدارة كرة القدم في مصر تطبيق تقنية الفيديو في الدور الثاني للدوري العام، المقرر انطلاقه في 20 يناير بعد سجال حاد مع الأندية التي اضطر بعضها إلى اللجوء للقضاء مثل نادي الإسماعيلي الذي رفع دعوى قضائية يشتكي فيها من تعرضه لظلم تحكيمي كبير خلال الموسم الحالي، وعدم احتساب أكثر من ركلة جزاء عن قصد أو عن غير قصد.

تتعامل بعض الاتحادات العربية مع “الفار” كتقنية تكنولوجية فقط، تتطلب تدبير نفقاتها أو تقليلها مثل الاتحاد المصري الذي صب جل اهتمامه على كيفية تدبير تكلفة التطبيق في المباريات التي تتراوح بين 7 و10 آلاف دولار للمباراة الواحدة، متجاهلا عدم وجود عدد كاف من العناصر البشرية القادرة على إدارة تلك المنظومة.

حتى نهاية العام الماضي، كان أربعة حكام مصريين فقط من الحاصلين على رخصة لممارسة التحكيم عبر تقنية الفيديو، من بين 256 حكما يواصلون التحكيم في البطولات المصرية المحلية، قبل أن يتم الإعلان عن بدء تدريب 50 حكما على استخدامها قبل وقت قصير من انطلاق الدور الثاني، ما يثير شكوكا حول قدرتهم على إتقانها خلال تلك المدة الزمنية القصيرة.

تتطلب تقنية الفيديو المساعد وجود كم كبير من كاميرات التصوير تصل إلى 33 أحيانا لإعادة اللقطات بصورة بطيئة وضبط حالات التسلل، وهو ما لا يتوافر في غالبية الدوريات العربية والأفريقية، فالمباريات يتم تصويرها بأربع كاميرات، قد تزيد بنحو 4 أخرى في مباريات القمة بين الفريقين الأكثر جماهيرية.

تأخر عربي

يعتزم اتحاد الكرة المغربي، أيضا، بدء استخدام “الفار” في مرحلة الإياب من البطولة المحلية، بعد توفير المعدات اللازمة بتكلفة تصل إلى 1.4 مليون دولار، ومن بينها حافلات مجهزة لاستخدامها في الملاعب غير المصنفة وفقيرة التجهيزات.

خاض المغرب تجربة قصيرة في تطبيق “الفار” محليا قبل تعميمها في البطولة المحلية، بعدما طبقها في مباراتي نصف نهائي كأس العرش بين الدفاع الجديدي والاتحاد البيضاوي وحسنية أكادير والمغرب التطواني، قبل نحو شهرين، لكنه يؤكد امتلاكه لعدد من الحكام القادرين على التعاطي معها بعد خوضهم دورات تدريبية في الاتحاد العربي لكرة القدم بالسعودية.

وفضلت بعض الاتحادات العربية تأجيل في التطبيق، نظرا لحالة الجدل التي أثيرت إزاء “الفار” في دوريات شهيرة، مثل الدوري الإنجليزي، لكنها اقتنعت أخيرا بأنه لا مناص من الاعتماد عليها لاعتبارات تتعلق بالتسويق وبعد تطبيقها من قبل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” في نهائيات كأس الأمم الأفريقية، بدءا من الدور ربع النهائي، وتوسع الاتحاد الآسيوي في تطبيقها على غالبية البطولات.

الجزائر كانت من أوائل المطبقين لـ"الفار" أفريقيا خلال نوفمبر 2018 في خطوة انتظرتها الجماهير، لكنها لم تخل من الجدل الذي وصل إلى حد الاتهام بالتلاعب في النتائج

كانت الجزائر من أوائل المطبقين لـ“الفار” أفريقيًّا خلال نوفمبر 2018 في خطوة انتظرتها الجماهير، لكنها لم تخل من الجدل الذي وصل إلى حد الاتهام بالتلاعب في النتائج، ففي أول مباراة لتطبيق هذه التقنية بين المولودية واتحاد بلعباس رفض الحكم العودة إلى “الفار” في ضربة جزاء احتسبها، رغم أن الإعادة التلفزيونية أثبتت أن الكرة اصطدمت بمؤخرة اللاعب وليس بيده، ما أثار حفيظة الجماهير.

يواجه تطبيق التقنيات الحديثة إشكالية تتعلق بشخصية اللاعب العربي الذي يعترض دائما على قرارات التحكيم، مهما كان مخطئا ويطالب في كل مرة بالرجوع إلى “الفار”، ومع تطبيقها يتضاعف الوقت الإضافي عدة مرات، فاللقطة الواحدة تستغرق من الحكم قرابة الثمانين ثانية في إعادة متابعتها.

يقول الناقد الرياضي حسام زايد، لـ“العرب”، إن تطبيق الفيديو المساعد في الدوريات العربية يعطي ثقة في قرارات حكم الساحة إزاء المواقف المثيرة للجدل، مثل ضربات الجزاء ووقائع التسلل، لكنه لن ينهي جميع المشكلات في ظل ثقافة الجماهير العربية التي تواجه قرارات التحكيم دائما بسوء نية وتعمد إلى الإضرار بفرق معينة.

تعاني تقنية “الفار” من ازدواجية الجماهير العربية التي تطالب بتطبيقها لمنح نتائج أكثر عدالة لكنها في الوقت ذاته تهاجمها حال مساعدتها فرق المنافسين في الفوز، مثلما حدث مع مشجعي النصر السعودي الذين أنشأوا هاشتاغا اعتبروا فيه أن تقنية الفيديو ساعدت نادي الهلال على تصدر مسابقة دوري المحترفين.

وتقدم نادي العين الإماراتي باحتجاج رسمي إلى اتحاد الكرة الإماراتي ورابطة المحترفين بدعوى الأخطاء التحكيمية التي رافقت مباراة فريقه قبل شهرين أمام مضيفه الشارقة، واعتبر أن تقنية “الفار” تم اعتمادها بهدف تحسين أداء الحكام، وضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين الأندية، لكن يوجد خلل في التطبيق يؤدي إلى عدم الاستفادة منها، على حد قوله.

رغم تطبيق هذه التقنية في الكويت، إلا أن ذلك لم ينه الجدل بين الأندية، فنادي الشباب اعتبر على لسان رئيس جهاز الكرة جابر الزنكي أن تطبيقها يخضع للأهواء، وتقدم نادي التضامن باحتجاج على قرارات حكم مباراته أمام النصر ضمن الجولة الثامنة من الدوري الممتاز.

ويضيف زايد أن التحكيم دائما الطرف الأضعف في المنظومة الكروية العربية، فلا يوجد ناد أو وسيلة إعلامية أو جمهور يدافع عنه، ولو توفرت للحكام الأجواء الاحترافية في الدوريات الأوروبية لكان الأداء قريبا من أداء نظرائهم الأجانب.

ثقافة غائبة

تمتد مشاكل “الفار” إلى ثقافة القائمين على التجهيزات وتعاملهم معها بنفس طريقة توصيلات البنية التحتية، فلاقت مباراة مولودية الجزائر والرجاء الرياضي في ذهاب الدور ربع النهائي لكأس محمد السادس للأندية العربية الأبطال أخيرا، قدرا من السخرية بسبب بدائية تركيب التجهيزات ليوضع بعضها على العوارض الخشبية الخلفية للمرمى أو أماكن طفايات الحريق.

ظهرت الأخطاء البشرية جلية أيضا في مباراة النصر والفتح في الجولة الثانية من بطولة دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين بالسعودية، أكتوبر الماضي، مع تعطل تقنية الفيديو بسبب فصل أحد العمال أسلاك التقنية بالخطأ أثناء شحن هاتفه الجوال.

شهد نهائي دوري أبطال أفريقيا أزمة بعد إلغاء هدف صحيح لنادي الوداد المغربي في مرمى الترجي التونسي في ظل تعطل تقنية الفيديو عن العمل في ملعب رادس، ما أدى إلى رفض نادي الوداد استكمال المباراة وإعلان فوز المنافس قبل أن يتدخل الاتحاد الأفريقي ويعلن نية إعادة المباراة بعدما تبين أن “الفار” لا يعمل بسبب خطأ شركة الشحن التي نقلت قطعتين من أصل ثلاثة يعمل لها.

صحيح أن تطبيق تقنية “الفار” تثير حالة من الجدل عالميا خاصة في الدوري الإنجليزي لكنها مرتبطة أكثر بتقليلها متعة كرة القدم تضييعها مجهود اللاعبين في قضايا التسلل الهامشية حينما يكون الفارق سنتيمترات قليلة بين المهاجم والمدافعين.

يقول زايد لـ“العرب”، إن التقنية لا تزال في بداياتها وسوف تشهد تطويرا مستمرا وربما يكون القرار النهائي مستقبلا في يد الفيديو، وليس حكم الساحة مع إمكانية الاستعانة بخبرات الحكام المعتزلين في الغرف المغلقة كمعاونين لحكام الفيديو بما يثقل الخبرات.

بعض الاتحادات العربية فضلت تأجيل في التطبيق، نظرا لحالة الجدل التي أثيرت إزاء "الفار" في دوريات شهيرة، مثل الدوري الإنجليزي
بعض الاتحادات العربية فضلت تأجيل في التطبيق، نظرا لحالة الجدل التي أثيرت إزاء "الفار" في دوريات شهيرة، مثل الدوري الإنجليزي

تعتمد تقنية حكم الفيديو على مراجعة القرارات التي يتخذها حكم المباراة باستخدام لقطات فيديو وسمّاعة للتواصل مع الحكم المساعد عند الضرورة لتصحيح الأخطاء التحكيميّة الواضحة والحالات الضرورية التي تستوجبُ قرارا دقيقا.

لا يتم الرجوع إلى الفيديو إلا حال طلب حكم الساحة عبر إشارة متعارفة بيديه على شكل مستطيل أو دائرة، ويجوز لحكام الفيديو أن يتدخلوا دون إشارة منه، حال وجود خطأ واضح لا نقاش فيه، لكن يظل رأيهم استشاريا فقط دون القدرة على فرضه.

تؤكد طريقة تطبيق “الفار” الحالية الحاجة إلى تطوير الحكم نفسه ورفع كفاءته، لأنه الأساس وفقا لأسطورة التحكيم الإيطالي بيرلويغي كولينا الذي أكد خلال دورة تدريبية أخيرة، أنها الأنسب لتطوير مستويات التحكيم لمراحل أبعد، كأداة تساعد على تقليل الأخطاء، غير أنها لن تقضي عليها نهائيا.

وذلك لا يمنع أن حكام الفيديو بدأوا يسرقون الأضواء من حكام الساحة، مثلما حدث في مباراة الرائد والاتحاد في الدوري السعودي، فالشاب سلطان الحربي الذي ظهر على الشاشات كحكم فيديو سرق الأضواء من البولندي المخضرم بارتوش فرانكينسكي الذي أدار اللقاء.

ويقول رضا البلتاجي، رئيس لجنة الحكام باتحاد الكرة المصري سابقا، لـ“العرب”، إن الإشكالية التي تواجه تطبيق “الفار” في الكثير من الدوريات العربية هي غياب ثقافة الاختلاف بوجه عام وبينها تقبل الهزيمة، كما ترتبط بعدم وجود جهات تحمي التحكيم عموما من القصف الذي يتعرض له من الأندية الكبيرة وجماهيرها ووسائل الإعلام التابعة لها، والتي تفقد المحكمين الشجاعة والثقة في قراراتهم.

وألمح البلتاجي إلى بعض الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لاستخدام تقنية “الفار” بطريقة بدائية خلال مباراة هواة في إحدى الدول الأفريقية، وظهر فيها حكم المباراة يراجع هدفا عبر شاشة تلفزيون قديمة وبجواره شخص يحمل سلاحا ناريا، ليؤكد أن شعور الحكم بالأمان هو العنصر الرئيسي في وصوله إلى القرار السليم.

ويضرب المثل بالدوري المصري الذي يقول إنه يشهد تدليلا من قبل مجالس اتحادات الكرة ولجان التحكيم السابقة لبعض الأندية الكبيرة التي تعودت على خروج قرارات لصالحهم والتحايل على العقوبات والجزاءات، وتطبيق “الفار” من وجهة نظره لن يحل المشكلة لارتباطها في المقام الأول بكيفية فرض العدالة التحكيمية، والقضاء على المهانة التي يتعرض لها المحكمون.

ويشير عبدالناصر محمد، المدير الفني لفريق نادي مصر الذي يلعب في الدوري الممتاز، إلى تلك المجاملة بتأكيده أن “الفار” الحل الوحيد لحل أزمة التحكيم، فالحكام ينحازون إلى لون قميص الفرق الكبرى (مثل الأهلي والزمالك) إذا كانت متأخرة، ويحتسبون لها وقتا إضافيا غير مستحق، حتى تحقق التعادل أو ربما الفوز، واعتبر أن تلك المشكلة أزلية.

جاءت تقنية الفيديو في خضم محاولات مستمرة من قبل “الفيفا” لتوظيف التكنولوجيا في مجال التحكيم، والتي كانت من بينها تقنية خط المرمى والكرة الذكية اللتان واجهتهما انتقادات شديدة من قِبل القائمين على قوانين كرة القدم في البداية، لكنها وجدت في النهاية طريقها لفرض وجودها لتصبح أحد أساسيات اللعبة الأكثر جماهيرية حاليا.

22