حكم مخفف على البشير يثير تساؤلات عن تفكيك النظام السابق

دعوات إلى محاكمة الرئيس السوداني السابق على جرائم التعذيب والاغتيالات التي وقعت في المعتقلات والتصفية العرقية والجرائم ضد الإنسانية.
الأحد 2019/12/15
خابت آمال حزب البشير

الخرطوم - أصدرت المحكمة الجنائية الخاصة في السودان، السبت، حكما بالسجن لمدة عامين على الرئيس المعزول عمر البشير في تهم الفساد المالي والتعامل في النقد الأجنبي، وقررت إيداعه مؤسسة الإصلاح الاجتماعي ومصادرة الأموال التي تحصل عليها، في خطوة قال مراقبون إنها تثير الشكوك بشأن قدرة حكومة عبدالله حمدوك في تفكيك إمبراطورية التمكين التي كان يتمترس وراءها الحزب الحاكم سابقا.

وأحدث الحكم المخفف من عشر سنوات إلى عامين، حالة من الانقسام في الأوساط السياسية السودانية، حيث قال الفريق المؤيد له إن المحكمة أصدرت حكمها وفقاً لحيثيات قانونية ولم تتأثر بالضغوط السياسية عليها، بينما ذهب فريق آخر إلى أن الحكم لا يتماشى مع حجم الفساد والجرائم التي ارتكبها البشير وهو في سدة السلطة.

وبدا الرأي العام السوداني مهتما بمحاكمة البشير ومنشغلا بتفاعلاتها، بعد أن تزايدت المطالبات بمحاكمة جميع الرموز التي عملت إلى جواره فترة طويلة، ورأى البعض ضرورة تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية لمعاقبته على جرائمه في إقليم دارفور.

وصّب الحكم في صالح حكومة عبدالله حمدوك، ومرجّح أن يخفف من وقع الضغوط الشعبية عليه، بسبب استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وعدم القدرة على تخفيف حدتها على المواطنين حتى الآن.

وصدر الحكم في أجواء غلب عليها التوتر السياسي، إذ شهدت مناطق متفرقة في الخرطوم مظاهرات دعت إليها أحزاب إسلامية، تحت شعار مسيرات “الزحف الأخضر”، شارك فيها مئات للضغط على الحكومة، ومحاولة دفعها لتقديم استقالتها، فيما خرج عشرات من المتظاهرين في مسيرات بالسوق العربي وسط الخرطوم باتجاه القصر الرئاسي لدعم السلطة الانتقالية.

واعتبر تجمع المهنيين السودانيين الحكم “إدانة سياسية وأخلاقية للمخلوع ونظامه، وأن جانبا من حيثيات المحكمة كشف عن سوء إدارة الدولة والمال العام”.

ويرى متابعون أن هذا الحكم ليس نهاية المطاف، وهناك جرائم أخرى يعمل عليها عدد من اللجان والنيابة العامة، تشمل انقلابه على الديمقراطية وتقويض الشرعية الدستورية، ما يعني زيادة الأحكام المتوقع صدورها بحق البشير.

الحكم ليس نهاية المطاف في محاكمة البشير
الحكم ليس نهاية المطاف في محاكمة البشير

وطالب تجمّع المهنيين في بيان صدر السبت، بمحاكمة البشير على جرائم التعذيب والاغتيالات التي وقعت في المعتقلات، والتصفية العرقية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، والجرائم المماثلة في جبال النوبة والنيل الأزرق والجنوب قبل استقلاله، وجرائم قتل المتظاهرين منذ بداية فترة حكمة وحتى ثورة ديسمبر، نهاية بالجرائم السياسية والتمكين والثراء الحرام.

وقال عضو الحركة الديمقراطية للتغيير (حقوقية)، قاسم مهداوي، إن تخفيف الحكم الصادر بحق البشير جعل المواطنين يعوّلون بشكل أكبر على المحاكمات المقبلة لمزيد من القصاص.

وأشار في تصريح لـ”العرب”، إلى أن الحكم المخفف لن يعطي قيمة إضافية لأنصار البشير، بل هو عار سياسي وأخلاقي يلتصق بهم، كما أن المحاكمة وتفكيك هياكل النظام السابق وعلى رأسها حزب المؤتمر الوطني واحدة من أهم القيم والمطالب الثورية، في وقت مازالت تحظى فيه حكومة حمدوك بنسبة تأييد كبيرة.

وأوضح أن هناك إدراكا بأن ما جرى تخريبه على مدار ثلاثة عقود يصعب إصلاحه في وفترة وجيزة، وبالتالي فإنه لا بديل عن الصبر إلى حين تحسّن الأوضاع، لكن السلطة الانتقالية في المقابل عليها أن تسرّع من وتيرة الإجراءات الخاصة بتفكيك بنية النظام السابق.

وأكد متابعون أن حزب المؤتمر الوطني كان ينتظر براءة البشير وتوظيفها سياسيا من خلال التواجد في الشارع، والتشديد على استمرار قدرة أنصاره في التأثير على الأجواء العامة، لكن صدور الحكم، ولو كان مخففا، خيّب آمالهم، وقطع الطريق على مخططات تحريك الكوادر في مناطق متفرقة، ما أعاد الهدوء إلى الشارع في انتظار جولة سياسية أخرى.

وسعى مجلس السيادة السوداني لتفويت الفرصة على استغلال الحكم سياسياً، وعقد رئيسه الفريق أول عبدالفتاح البرهان، مساء الجمعة، اجتماعا ضم قيادات الأجهزة العسكرية والأمنية، لمراجعة خطط القوات النظامية وتأمين المرافق الحيوية خلال المسيرات التي دعت إليها أطراف محسوبة على النظام السابق.

وأصدر رئيس لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال، الفريق ياسر عبدالرحمن العطا، قراراً، صباح السبت، بتشكيل لجنة لتصفية حزب المؤتمر الوطني، ولجنة ثانية لحل المكاتب التنفيذية ومجالس النقابات.

ونص القرار على تعيين لجان لتسيير شؤون النقابات والاتحادات المهنية واتحاد أصحاب العمل وتصريف أعمالها الضرورية والإعداد للجمعية العمومية لهم، ومراجعة النظم الأساسية واللوائح والقوانين “لتتوافق مع ديمقراطية واستقلالية العمل النقابي”، ومراجعة الحسابات المالية بواسطة المراجع العام السوداني.

وأشار المتابعون إلى أن هذه القرارات تؤكد على جدية تعامل السلطة الانتقالية مع أيّ ثقوب من الممكن أن ينفذ إليها رموز البشير، لأن النقابات المهنية كانت بمثابة ذراع للهيمنة على المجتمع.

وحاولت السلطة الانتقالية تلافي الغضب المحتمل نتيجة حكم المحكمة المخفف من قبل القوى الثورية التي انتقدت في مناسبات عدة تأجيل تنفيذ هذه النوعية من القرارات التي جرى التوافق عليها مع المجلس العسكري منذ الإطاحة بنظام البشير.

وأوضح المحلل السياسي خالد سعد أن السلطة الانتقالية استبقت ردود الفعل على الحكم الصادر بحق البشير، وخففت هذه القرارات وطأة غضب قوى رأت أن الحكم لا يتناسب مع الضجة الإعلامية المثارة حول القضية، وكانوا يطمحون في عقوبة أشد قسوة.

وأضاف سعد لـ”العرب” أن القرارات تعاملت بصورة حكيمة مع محاولة توظيف حزب المؤتمر الوطني (المنحل) للحكم سياسياً، في ظل تشكيكه في هذه المحاكمات والتعامل معها على أنها مسيّسة.

ويمهّد إصدار الحكم وما تبعه من تصرفات أمنية وسياسية الطريق أمام عقد محاكمات في حق عدد من رموز النظام السابق، بعد أن تقدمت عدة جهات ببلاغات في مواجهة انقلاب البشير على السلطة عام 1989 إلى جانب واقعة إعدام 28 ضابطا من الجيش بعد عام واحد، بتهمة الانقلاب على البشير.

وتم استدعاء البشير، الثلاثاء الماضي، لاستجوابه بشأن دوره في الانقلاب، وهي الحلقة المنتظر أن تكون أشد سخونة، لأنها سوف تجرّ معها الكثير من الرموز السياسية والعسكرية.

1