حكومات أوروبا للقاهرة: الاستثمارات مقابل ضمان الحريات

أعربت جملة من الدول الأوروبية وعدد من المنظمات الحقوقية عن عدم رضاها عن واقع حقوق الإنسان في مصر، ووجهت رسائل حادة للحكومة المصرية وصلت حد التهديد بإعادة النظر في علاقاتها مع القاهرة. ويبدو أن هذه المواقف أربكت النظام المصري الذي بدا متخبطا بين محاولات الدفاع عن النفس التي لم يكترث بها البرلمان الأوروبي وبين محاولات لا تبدو جدية من أجل الشروع في تنفيذ برامج تصب في تحسين هذا الملف في الداخل المصري.
الخميس 2016/03/31
رجيني.. طلقة الغرب الأخيرة

القاهرة – تسود حالة من القلق لدى المسؤولين في الحكومة المصرية التي تكافح للحفاظ على الاقتصاد المحلي من الانهيار، بعد أن تلقت العديد من الرسائل والإشارات الأوروبية التي ربطت ضخ الاستثمارات بتحسين سجل الحريات.

وتتعرض مصر للعديد من الانتقادات الأوروبية ارتفعت حدتها بعد حادث مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، وهو ما تزامن مع قيام القاهرة بإعادة فتح قضية التمويلات الأجنبية للمنظمات الحقوقية، فضلا عن اتساع نطاق الانتقادات لأوضاع السجون في مصر، وتوالي الاتهامات بخصوص القبض على عدد كبير من المشتبه بهم، دون توافر أدلة مادية قاطعة.

وكان الاتحاد الأوروبي قد وجه انتقادات واسعة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وطالب أعضاؤه بوقف المساعدات الأمنية والعسكرية للقاهرة. كما تعمد البرلمان الأوروبي تجاهل طلب مجلس النواب المصري وعدم الرد على طلبه تحديد موعد لزيارة لجنة تمثله، تعمل على تبرير الموقف المصري من الانتقادات الأوروبية لواقع حقوق الإنسان فيها.

نظرية المؤامرة

رغم اعتراف القاهرة بوجود عدد من التجاوزات في مجال حقوق الإنسان، إلا أن فكرة المؤامرة لا تزال تحكم التعامل المصري مع الانتقادات الأوروبية، مثلما ألمح إلى ذلك الرئيس عبدالفتاح السيسي في حوار مع صحيفة “لا ريبابليكا” الإيطالية، حينما أشار إلى أن توقيت حادث مقتل الشاب الإيطالي يطرح العديد من الأسئلة حول ما إذا كانت هناك أطراف لديها مصلحة لعرقلة التعاون التجاري الكبير بين مصر وإيطاليا.

السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية قال لـ”العرب”، إن الانتقادات الأوروبية ضد مصر، المصحوبة بالكثير من اللوم والتصعيد، ووصلت إلى حد التهديد بإيقاف الاستثمارات، تبدو غير منطقية، فبعض البيانات التي أصدرتها دوائر أوروبية تعتمد برأيه على مصادر غير دقيقة، أو مصادر ذات مصلحة مباشرة، أي من تيارات ومنابع سياسية معادية للنظام المصري، أو من جماعات كانت تستفيد من الدعم الخارجي.

وحذرت جهات مصرية من أن التصعيد الحاصل في ملف حقوق الإنسان قد ينتقل برمته من خانة السياسة إلى العقوبات المادية، وهو ما ينطوي على مخاطر كبيرة يمكن أن تواجه الاقتصاد المصري الذي يعاني من اختلالات كبيرة، أهمها أزمة العملة الصعبة، وتراجع عائدات السياحة، وخمول في حسم الاستثمارات الأجنبية.

على الحكومة المصرية أن تصحح الأوضاع الداخلية المتعلقة بحقوق الإنسان، وتتخذ إجراءات أكثر حزما وتأثيرا

وإذا تحولت التهديدات التي بدأت تظهر في عدد من التقارير الغربية، سواء من جانب منظمات حقوقية، أو شخصيات سياسية، إلى قرارات فعلية سوف تترتب عليها تداعيات وتأثيرات سلبية عديدة، تضاعف من المعاناة التي تتعرض لها مصر حاليا.

وتزايد القلق المصري قبل وقت وجيز من زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند للقاهرة، المقررة أن تتم في الفترة بين 17 و19 أبريل المقبل، وهي زيارة تراهن عليها مصر لاكتساب ثقة مزدوجة سياسيا واقتصاديا.

وتأمل القاهرة أن تساهم هذه الزيارة في نزع فتيل الحملات المتزايدة ضد نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتؤكد أنه شريك حقيقي لأوروبا، ليس فقط في مجال مكافحة الإرهاب، إنما في الكثير من القضايا الإقليمية المفتوحة على احتمالات غامضة أيضا.

لكن ما يلفت الانتباه أن مسؤولة حقوق الإنسان في الخارجية الفرنسية سبقت الرئيس الفرنسي بزيارتها مصر مطلع شهر مارس الجاري التي أعربت فيها بشكل صريح عن قلقها حيال وضع حقوق الإنسان في مصر. علما وأن الزيارة تلت صدور قرار من البرلمان الأوروبي يطالب بإعادة النظر في العلاقة مع السلطات المصرية في “حال استمرار القمع الذي يغذي التطرف والعنف”.

السفير جمال عبدالمتعال مساعد وزير الخارجية المصري سابقا، قال لـ”العرب”، “إن الأوضاع الحقوقية في مصر معقدة للغاية، والحفاظ على الاستثمارات الغربية يحتاج إلى عمل منظم وجاد لتصحيح الأوضاع الحالية”، ملفتا إلى أن الزخم الغربي المتعلق بحقوق الإنسان له تأثيره السلبي على العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن حالة الارتباك التي تعاني منها مصر في الداخل وعدم استقرار الحالة الأمنية أديا إلى ظهور مشكلات على مستوى حقوق الإنسان، لكنه استبعد تأثير الحملة المثارة حاليا على زيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر، أو أن تؤدي الانتقادات المتزايدة إلى عقوبات اقتصادية أوروبية ضد مصر، أو سحب الاستثمارات الأوروبية كما يلوح البعض.

وقدر بعض المحللين أن استمرار الضغوط الغربية على مصر يزيد الأمور تعقيدا، وتفاقم مشاكل النظام المصري إلى الدرجة التي قد تضعف تصديه للإرهاب، وتدعو الجماعات المتطرفة إلى المغالاة في عملياتها، وهو أمر – إن حدث – لن تقتصر أضراره على المصالح المصرية، لكن سوف تكون له ظلال سوداء على المصالح الغربية عموما.

مسؤولة حقوق الإنسان الفرنسية سبقت الرئيس الفرنسي بزيارتها مصر التي أعربت فيها عن قلقها حيال وضع حقوق الإنسان

وأشار الخبراء إلى أن بعض الدول الأوروبية تحتاج إلى التنسيق مع مصر في بعض الملفات والقضايا، من بينها الأزمة في ليبيا، والقضاء على تنظيم داعش، والذي يهدد مصر وأوروبا على حد السواء، وهو ما أدى إلى زيادة التعاون العسكري بين مصر وعدد من الدول الغربية، في مقدمتها فرنسا وإيطاليا، وبالتالي الدفع إلى زيادة الاستثمارات لا تحجيمها.

المشاكل من الداخل

قال دبلوماسيون إن هناك استياء شعبيا داخليا كبيرا وعدم قبول لكيفية تعاطي الحكومة والأمن المصريين مع ملف حقوق الإنسان قبل الحديث عن المواقف الخارجية من الموضوع، الأمر الذي يحتم برأيهم على النظام ضرورة التعامل وفق رؤية جديدة أكثر وضوحا وكفيلة بجذب استثمارات أجنبية لا العكس.

ويبدو أن اللقاءات التي بدأها الرئيس عبدالفتاح السيسي مع مثقفين مصريين مؤخرا، تندرج ضمن الشعور العام بأن هناك مشكلة تحتاج إلى تعامل حكيم من أجل إيجاد تفاهمات سياسية تمنع توسيع الهوة، مع الداخل والخارج، والتأكيد أن الحريات غير مستهدفة، وأن حقوق الإنسان محل اعتبار من القيادة المصرية، خاصة أن هذا الملف احتل حيزا من أسئلة الكتاب والمثقفين للرئيس المصري.

محمد حسين أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة قال لـ”العرب”، “إن الرد المصري بشفافية وعقلانية على الاتهامات من خلال أساتذة وعلماء يتم إرسالهم إلى الخارج ربما يكون السبيل الأفضل للحفاظ على تدفق الاستثمارات الأوروبية ومنع توقفها، على أن تعمل الحكومة المصرية بالتوازي مع ذلك على تصحيح الأوضاع الداخلية المتعلقة بحقوق الإنسان، وتتخذ إجراءات أكثر حزما وتأثيرا، لتقنع الرأي العام العالمي، بأن هناك صورة مغلوطة لديه”.

وطالب الحكومة بأن يكون هناك نشاط دبلوماسي خارجي من خلال السفارات والمكاتب الإعلامية التابعة لمصر بالخارج، وضرورة توقف بعض الإعلاميين المصريين والمحسوبين على النظام عن إطلاق الاتهامات لدول ومنظمات غربية، بأنها على علاقة وثيقة بالإخوان، والعمالة للتنظيم الدولي، وهو أمر قد يؤدي إلى تحفيز المواقف السلبية في أوروبا ضد مصر.

6