حكومات النفخة الكذابة

كان على نظام الملالي أن يتخلى، طواعية، عن العراق، مثلا، وأن يترك العراقيين يختارون حكامهم بحرية، خصوصا في ظل وجود البعبع الداعشي والعقوبات وكورونا.
الأحد 2020/05/31
العراقيون لا يقبلون بتزايد النفوذ الإيراني في بلدهم

في مواجهة المآزق المعيشية والصحية التي يعاني منها المواطن الإيراني كان مؤملا أن توقف القيادة الإيرانية الكثير من نشاطاتها الحكومية والعسكرية غير الضرورية التي يمكن إلغاؤها أو تأجيلها، خصوصا إذا كانت ذات كلفة ترهق خزينتها المتعبة، أصلا، لتبرهن على حبها لشعبها، ثم تقرر منح كل مواطن مبلغا عاجلا من المال يعينه على مواجهة الفاقة والعوز والمرض والخوف، أو تعلن عن إلغاء رسوم أو ضريبة، أو تغلق مؤسسات ووزارات وسفارات، لتوفير ما يمكن توفيره، إن لم يكن بدافع الوطنية أو النفاق السياسي لتهدئة خواطر المواطنين الناقمين، فإكراما للعمائم البيض والسود والخضر التي يحكم بها الوليُ الفقيه ومستشاروه وقادة نظامه العسكريون والمدنيون.

ولكن اللواء علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية الإيرانية، في عز كارثة كورونا وعقوبات ترامب، يزف لمواطنيه خبر انغماس حكومته في العمل، حاليا، على تصميم سفينتين عسكريتين، واحدة ستحمل اسم (قاسم سليماني) والثانية ستكون باسم (أبومهدي المهندس).

ونقل موقع وكالة “فارس” الإيرانية عنه قوله إنه “تسلم مجموعة كبيرة من الزوارق البحرية السريعة تضم 112 زورقا هجوميا قاذفا للصواريخ من طراز ذوالفقار وحيدر وميعاد”. وأنها سوف “تزيد القوة الهجومية للقوات البحرية في الحرس الثوري في مياه الخليج”. وسوف “تتواجد إلى جانب الأميركان أينما حلوا”. مؤكدا “نحن نأخذ التهديدات الأميركية على محمل الجد، لا نخشى الموت، ومستعدون للتضحية، وسنوجّه صفعة للعدو في أي مواجهة”.

شيء مؤسف، حقيقةً. فإن أخطر ما في الحاكم، أي حاكم، أن يجهل ما حوله، ومَن حوله، كمن يفقد البوصلة، ويُبحر في العواصف والظلمات دون معين ولا نصير.

وهنا نسأل، إلى أين تتجه القيادة الإيرانية بوطنها وشعبها، ولمَ، وكيف، وهي التي يعلم أهلُ بيتها، قبل غيرهم من الأجانب الغرباء، بواقع حالها الحقيقي، وبحجم المآزق والتحديات التي تتجمع عليها من كل جانب، حتى من قبلِ مجيءِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب المجند لتخييرها بين مفاوضاتٍ شاملة تُنهي هذه الدوامة المنهكة للطرفين ولشعبها وشعوب المنطقة، وبين الانهيار الاقتصادي الآتي إليها شاء من شاء وأبى من أبى.

في 2 أبريل 2015 توصل النظام الإيراني والصين وروسيا وأميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى بيان مشترك يتضمن الموافقة على تسوية نهائية تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وتم توقيع الاتفاق النهائي في يونيو من نفس العام.

ومن أبشع أنواع القصور العقلي السياسي الاستراتيجي إقدامُ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على الإفراج عن 130 مليار دولار مكافأةً منه لإيران، أملا في أن يساعد ذلك على تحويلها من دولة مارقة إلى دولة مدنية طبيعية تتعايش مع المجتمع الدولي بعقلانية وإيجابية وسلام.

ولكن الذي حدث أن ذلك الاتفاق قد رفع منسوب الغرور والعجرفة والعنجهية لديها إلى أقصى حدوده المحتملة، إلى درجة أن مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية والأقليات، علي يونسي، راح يتبختر ويقول، علنا: “إن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتُها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما في الماضي، وكل منطقة الشرق الأوسط إيرانية، وكل شعوب المنطقة جزء من إيران”.

ومنذ العام 2015 وحتى أمس أنفق نظام الولي الفقيه من أموال الشعب الإيراني مئات المليارات على الأسلحة التقليدية والاستراتيجية، وعلى الميليشيات، وعلى مزيدٍ من نشر الفوضى والخراب في المنطقة، وعلى تجاربه السرية النووية المحظورة، دون أن يحسب حسابا لزمن أو ظروف.

وبين 2015 و2020 خمس سنوات فقط، وهي أقل من خمس دقائق في حياة الدول والشعوب، تغيّرت الأحوال، وتقلبت الأمزجة، واختلفت المصالح والظروف.

والرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس هو العامل الوحيد الذي جعل الأبيض الإيراني أسود، وحوَّل نظام القتل والتحدي والحرق والهدم والنهب إلى هيكل عظمي بلا أظافر ولا أسنان ولا سلاح ولا رجال. بل هي عشرات العوامل، منها وأولها الكلفة الباهظة لنشاطات النظام الخارجية والداخلية التي لا يشكل منها الاعتناءُ بحياة المواطن إلا النزر اليسير، مضافةً إلى العقوبات والعزلة السياسية والاقتصادية وتراجع أسعار النفط وكورونا.

والدليل الفاقع على أن نظام خامنئي قد تحوّل إلى حصان من خشب لا يهش ولا ينش هو حاله المزري في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وفي كل مكانٍ تباهى أحدُ قادته، ذات يوم، بأنه أصبح جزءًا من الإمبراطورية الفارسية الجديدة.

فالضربات التي تتلقاها معسكراته ومستودعات صواريخه في سوريا والعراق بغارات نتنياهو تكاد تكون يومية، ولا يرد. وتتصاعد الاحتجاجات الشعبية العراقية واللبنانية ضد وجوده وضد وكلائه، ولا يرد.

لكأنه لا يقرأ التاريخ البعيد ولا القريب، ولا يستعيد سيرة حكام حمقى أصابتهم لوثة غرور القوة فركبوا رؤوسهم وناطحوا الصخور فتكسرت قرونهم، وألحقوا بشعوبهم الخزي والعار والخسارة، ثم انتهوا، أخيرا، إما قتلى تحت أقدام شعوبهم، أو معلقين على مشنقة، أو مأسورين وراء القضبان، أو هاربين من وجه العدالة.

ولعل قتل قاسم سليماني في مطار بغداد بطائرات مسيرة أقلعت من فلوريدا الأميركية إنذارٌ حقيقي وجرةُ أذن كان ينبغي على العاقل أن يتدبر أمره بعدها، ويتوقف عن الثرثرة الفارغة وعن نفش الريش.

وكان على نظام الملالي أن يتخلى، طواعية، عن العراق، مثلا، وأن يترك العراقيين يختارون حكامهم بحرية، خصوصا في ظل وجود البعبع الداعشي والعقوبات وكورونا، ثم يحمل عصاه ويرحل عن سوريا ويترك بشار الأسد لكي يسقط في ساعات تحت أقدام الجيوش والفصائل المتدفقة، ثم يقطع علاقته فورا بحسن نصرالله في لبنان والحوثي في اليمن، ويرفع يده عن فلسطين.

وأخيرا ظهر مواطن إيراني مسنّ على فضائية أميركية ليبشر الأميركيين بقرب نهاية ولاية الفقيه، ودليلُه على ذلك أن كبار قادة النظام الإيراني أصبحوا يهددون بأن يوجهوا صفعة لأميركا في أي مواجهة، وهذه، بلا شك، إحدى علامات اللوثة التي تصيب الدماغ. إنها القاتلة، دون ريب.

5