حكومات حضنت بيض الإرهاب ثم لدغتها أفاعيه

كيف للشعارات الإنسانية ومبادئ الدفاع عن الحريات، أن تلتقي بمن يعمل ضدها من القتلة والإرهابيين؟ سؤال في عهدة دول كثيرة، وبالخصوص تلك التي تدّعي الريادة في الذود عن الحريات، وتتشدّق بالعراقة في تأسيس الديمقراطيات. فقد بات واضحا أنّ الحكومات التي تعامت عن وجود إرهابيين على أراضيها، ووفرت لهم الحماية وحرية التنقّل، كانت تفعل ذلك تحت مسوّغ تعتقد أنه يبرّر تستّرها، وهو التكتيك السياسي والمناورة ضد خصومها، متناسية أنها بذلك، تحضن بيض الأفاعي، وتحوي قنابل موقوتة قد تتفجّر في وجهها بمجرّد اللعب بالصاعق أو حتى بمحاولة إبطال مفعوله.
الاثنين 2016/07/11
حليف الإرهابيين بالأمس ضحيتهم اليوم

الأمثلة كثيرة في بلاد الشرق والغرب، لدول تحولت من مستضيفة للإرهابيين أو راعية أو داعمة أو متستّرة أو متعامية عنهم إلى دول مستهدفة من طرف الإرهاب، وقد أصبحت ساحاتها ومؤسساتها ومطاراتها مسارح دموية لهذه الآفة العمياء، والتي تلتهم كل من يقترب منها بالتودّد والمغازلة، على سبيل التشمّت والمجاهرة ويظن نفسه بمنأى عن شرورها وجرائمها.

احتضان الإرهابيين لا يعني أنك في مأمن من الإرهاب، بل وربما اقتربت منه أكثر وجعلته يعرف مكامن ضعفك، فينقضّ عليك بأقصر السبل وأرخص التكاليف. وهذه القاعدة ـ على بساطتهاـ لا يعرفها إلاّ من اكتوى بجرائم الإرهاب، بل ويمكن أن يكون الخطأ في اللعب مع الإرهابيين، مثل تفكيك الألغام، الذي يأتي مرّة واحدة وأخيرة.

إيواء الإرهابيين والتستّر عنهم وعدم تسليمهم إلى العدالة، هي صيغ وأشكال وأساليب عديدة لمسمّى واحد، وهو التورّط في صناعة الموت المترصّد بك أو بجارك، أو حتى بخصمك السياسي الذي لم تحترم معه قواعد اللعبة المدنية في العمل الحزبي أو غيره، وهو ما ينطبق عليه المثل الذي يعرفه أصغر الهواة والمبتدئين في العمل السياسي “من حفر جبّا لأخيه وقع فيه”.

مكافحة الإرهاب أو التصدي له، مسألة استراتيجية، وليست تكتيكا آليا أو استرضاء لأطراف دولية، إنها تشبه في ذلك التواطؤ مع الإرهاب نفسه لنفس الغايات، أمّا الأخطاء القاتلة الأخرى ـ وربما أخطرهاـ هي الاطمئنان إلى “قوى الإرهاب الناعمة”، أي الواجهات السياسية والبرلمانية والدعوية من أصحاب الذقون نصف الحليقة، والتصريحات التي تقول نصف الحقيقة.

نماذج القتلة الذين تسترت عليهم الأنظمة التي تدعي المدنية، تمتدّ من “أبوعياض” في تونس أيام حكم الترويكا، والذي وقع تهريبه بعد حادثة السفارة الأميركية في تونس، وبإشراف من قيادات أمنية موازية، وتفيد آخر الأخبار أنه الآن في حماية ميليشيات داعش بمدينة صبراتة الليبية. أمّا مواطنه أحمد الرويسي، وهو الشخص الغامض ومن ذوي العلاقات المتشابكة والمعقدة والخفية، والمطلوب لدى القضاء التونسي في أكثر من قضيّة من قضايا الارهاب، فقد درس في سوريا وتعرف على يساريين ورجال أمن سوريين وأقام مع بعضهم هناك ثم عاد إلى تونس، وقيل إنه عمل أمنيّا في عهد النظام السابق، ثم استقال وعمل عرّافا مشعوذا بل ومقربا من دوائر القرار، ممّا يقيم الحجّة والدليل على تورّط أجهزة أمنية رسمية ـ من حيث تعلم أو لا تعلم ـ في ملفات الإرهاب.

احتضان الإرهابيين لا يعني أنك في مأمن من الإرهاب، بل وربما اقتربت منه أكثر، وجعلته يعرف مكامن ضعفك

وتصل هذه النماذج للقتلة المتستّر عليهم إلى العقل المدبر لتفجيرات مطار أتاتورك الأخيرة، وهو الشيشاني أحمد تشاتاييف والمدعو “أبوذراع”، حيث فقد ذراعه أثناء مشاركته في الحرب الشيشانية الثانية ضد القوات الروسية.

وذكرت التقارير الاستخباراتية أن أحمد تشاتاييف، تنقل عبر الكثير من دول العالم شملت جورجيا، وبلغاريا، والسويد، وتركيا، وأوكرانيا، والنمسا التي منحته اللجوء السياسي، وكانت البعض من تلك الدول تعتقله بين فترة وأخرى بسبب نشاطاته “المخلة بالأمن”، ومع ذلك يجد في كل مرة سبيله للخروج بطرق مازالت غامضة.

ويقول خبراء ومحللون إنّ “هذه حالة غريبة جدا!“، ويتساءلون إذ كيف يتنقل شخص بهذه الخطورة في أكثر من 13 عاصمة وهو مرصود من قبل رجال الإنتربول واستخبارات الدول الأوروبية دون أن يتم اتخاذ أي إجراء إزاء “قنبلة موقوتة تتنقل بكل حرية؟”.

وتظهر سير البعض من الإرهابيين وجولاتهم الدولية بعد العمليات التي يقومون بها، ويحتار المراقبون لماذا لم يتم التعامل معهم كما ينبغي؟ وذلك بقصد تفادي كارثة محتملة، ومن يقف خلف هذه “السلاسة” والسهولة في تنقّل الإرهابيين؟ ولا شك أنّ وراء ذلك أجهزة وترتيبات، هي غاية في الدقة والتعقيد.

لا يمكن إنكار أنّ التدابير والتحصينات الأمنية التي تتخذها الدول في مواجهة الإرهاب ضرورية وذات فعالية كبيرة، كما فعلت دولة الكويت على سبيل المثال، وذلك في خطوة استباقية لحماية نفسها من الإرهاب العابر للحدود، عبر اقتناء أجهزة متطورة وكاشفة للأسلحة والذخيرة وعجائن التفخيخ، ونشرها على المنافذ الحدودية البرية والبحرية.

التدابير والتحصينات الوقائية تظل منقوصة أمام غياب الإرادة السياسية الدولية، والتي تتحرك بموجبها الأجهزة الأمنية

وفي الغرب الأوروبي قامت جامعة “لييج” البلجيكية بإنشاء مركز دراسات جديد متخصص في الإرهاب والحركات الإسلامية المتطرفة. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولة لسد النقص الكبير في البحث الميداني في مجال مكافحة الإرهاب، وتوفير المعلومات الضرورية، وتقديم النصح والمشورة لجهات مكافحة الإرهاب والشرطة البلجيكية، ويأتي هذا الإعلان تأكيدا لخبر مفاده أن المركز الجديد سيقام تحت إشراف مباشر من قبل عدد من المتخصصين الأكاديميين في الحركات الإسلامية المتطرفة في بلجيكا.

وإنشاء هذا المركز البحثي الجديد سيكون خطوة مهمة على طريق مكافحة الإرهاب، خاصة بعدما صار الإرهاب جزءا لا يتجزأ من الحياة في أوروبا بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها العواصم الفرنسية والبلجيكية والتركية، وذلك بحسب ما قال ميخائيل دانتينه أحد المبادرين لإنشاء المركز، والذي أوضح أن هناك نقصا كبيرا في الأبحاث الميدانية في البلدان التي شهدت بؤرا إرهابية.

ومن المتوقع أن تساهم عدة جهات بحثية في بلجيكا في تمويل إنشاء المركز، ممّا يساعد على الفهم الأفضل للإرهاب وتحدياته وكيفية الوقاية منه ومكافحته، ومن المنتظر أن يتم إدماج مركز الدراسات الجديد بقسمي “علم الجريمة” و”القانون والعلوم السياسية” بجامعة لييج، على أمل اقتراح تخصص في الإرهاب على طلاب علم الجريمة.

كل هذه التدابير والتحصينات ذات الطابع الوقائي، تظل منقوصة أمام غياب الإرادة السياسية الدولية، والتي تتحرك بموجبها الأجهزة الأمنية، وتقوم بدورها دون تواطؤ مع حكومات تجني على شعوبها من أجل استراتيجيات أقرب من أنوفها وأقصر من نواياها.

13