حكومة أردوغان تتشبث بـ"نظريات المؤامرة" لمواجهة الاتهامات

الأربعاء 2014/01/29
الجدل السياسي ونظرية المؤامرة تحولت إلى العنف في البرلمان التركي

اسطنبول – لم يخرج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن قائمة السياسيين الذين يواجهون خصومهم، باللجوء إلى نظرية المؤامرة المحاكة في الداخل والخارج، لاسيما بعد فشل إجراءات الحكومة في تطهير القضاء والشرطة للحد من تأثير فضيحة الفساد، كما لم يمض وقت طويل على المظاهرات التي أشعلت الصيف الماضي، وضاعفت من الغضب الشعبي ضد أردوغان.

أعاد الصراع الحاد بين رئيس الوزراء الإسلامي المحافظ رجب طيب أردوغان والمنظمة الدينية التي يتهمها بالسعي إلى تسريع سقوطه، كل نظريات المؤامرة التي تعد من تراث الحياة السياسية في تركيا.

فمنذ شهر وصف رئيس الحكومة حركة فتح الله كولن القوية جدا بأنها “دولة في الدولة” و”منظمة إجرامية” و”عصابة”. واتهمها بالتسلل إلى أجهزة الشرطة والقضاء للتسبب في سقوطه عبر تحقيق واسع حول مكافحة الفساد وقال في هذا الصدد: “يجب أن لا يتعدى القضاء مهمته وصلاحياته المحددة. هذا ما نقوم به. وأي شيء آخر هو تضليل وتشويه للحقائق”.

وحرص أردوغان في كل خطاباته، على الكشف عن “طموحات ورغبات هذه المنظمة” أو عن “امبراطورية الخوف” التي تسعى إلى إقامتها. وقد وقف جميع أعضاء الحكومة خلف رئيس الوزراء وكرروا مقولة “مؤامرة 17 يناير” التي حيكت “في داخل وخارج” تركيا.

منتقدو أردوغان في تركيا يسخرون من خطابه «التآمري» ويعتبرونه ذرا للرماد في العيون

من جانبه نفى الداعية التركي فتح الله كولن أي دخل له بشأن التحقيق الجاري في قضية الفساد، وذلك في أول مقابلة تليفزيونية له منذ 16 عاما لفائدة هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”.

وقال كولن المقيم في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة إنه “لوضع الأمور في نصابها”، فإن الأزمة التي أثارتها فضيحة الفساد في تركيا “لا تمت بصلة” له أو لحركة “الخدمة” المسلمة المعتدلة التي يتزعمها.

وكانت الأزمة قد تفجرت في 17 ديسمبر الماضي بعد أن ألقت الشرطة القبض على 24 شخصا من بينهم أبناء ثلاثة وزراء في الحكومة وحلفاء تجاريون لأردوغان. ومنذ ذلك الحين، قدم عدد من الوزراء استقالاتهم، وطالب متظاهرون باستقالة رئيس الوزراء، كما جرى فصل وإعادة تكليف المئات من رجال الشرطة. ووصف أردوغان، الذي يواجه التحدي الأخطر لحكمه على مدار 11 عاما، التحقيقات بالمؤامرة.

بيد أن مراقبين في تركيا يقولون إن التحقيق هو جزء من خصومة سياسية متنامية بين أردوغان وحليفه السابق كولن الذي يعتقد أن له صلات قوية في الشرطة والقضاء والذي قال: “لا يمكن أن يتلق القضاة والمحققون أوامر مني وليس لي صلة بهم ولا أعرف حتى واحدا بالمئة منهم”.
رجب طيب أردوغان : رئيس الوزراء التركي يجب أن لا يتعدى القضاء مهمته وصلاحياته المحددة وأي شيء آخر هو تضليل

وفي إشارة إلى حركات مضادة أطلقتها الحكومة للحد من نفوذ كولن، والتي شملت على ما يبدو فصل أو تعيين رجال الشرطة، اتهم الداعية (74 عاما) خصومه باعتبار حركته كبش فداء. وقال: “هذه الحركات صنعت لتظهر حركتنا أكبر من حجمها الحقيقي، ولتخويف الأشخاص من هذا الشبح الوهمي”.

ويقود كولن، الذي غادر تركيا بعد اتهامه بجرائم ضد الدولة، والتي برئ منها لاحقا، حركة “الخدمة” التي تدير مدارس خاصة. وكان ذات يوم حليفا لحزب اردوغان “العدالة والتنمية” وساعده على الفوز في الانتخابات لثلاث مرات متتالية.

وتدلي الصحافة القريبة من النظام بدلوها في هذا الأمر، وتنشر على صفحاتها “الأدلة” عن المؤامرة. وحرصت صحيفة صباح على نشر “تفاصيل مذهلة” لتسجيلات عن محادثات هاتفية بين الإمام كولن وبعض كبار الشخصيات في البلاد.

فتح الله كولن زعيم حركة خدمة: لا يمكن أن يتلقّى القضاة والمحققون أوامر مني ولا أعرف حتى واحدا بالمئة منهم

وأكد يلديريم، الخبير المعلوماتي (31 عاما) الذي سئل عن موقفه في شوارع اسطنبول أن “هذه الفضيحة تخفي دسائس في سوق الطاقة بين تركيا وسوريا وإيران والعراق”. وقال أستاذ العلوم السياسية جنكيز أكتر من جامعة صبنجي الخاصة في اسطنبول إن “نظريات المؤامرة تلقى رواجا كبيرا في تركيا”، مشيرا إلى أنه “في كل المجتمعات المغلقة، تحل الشائعات حيث يوجد نقص في المعلومات”.

وفي يونيو الماضي، قال رئيس الوزراء أن المتظاهرين الذين كانوا يطالبون باستقالته، يحركهم “تحالف مصالح” يعارض التقدم الذي تحرزه البلاد. لكن كلامه لم يقنع أحدا. ويسخر منتقدو أردوغان في تركيا من هذا الخطاب “التآمري” ويعتبرونه ذرا للرماد في العيون.

وقال الباحث نهاد علي أوزجان (جامعة الاقتصاد والتكنولوجيا الخاصة) إن “أردوغان رئيس حزب سياسي. أما حركة كولن فليست شفافة وحدود تنظيمها غامضة جدا”. وهو ما يساهم في دعم ادعاءات أردوغان.

وقد أقام كولن من مقر قيادته في الولايات المتحدة شبكة واسعة من المدارس والمؤسسات ووسائل الاعلام التي تبث الثقافة التركية في العالم أجمع. وتعلن حركته أن عدد أنصارها يبلغ الملايين، مشيرة إلى امتداد نفوذها إلى أوساط رجال الأعمال والشرطة والقضاء.

وكما يقول المتحدثون الرسميون باسمها، تنفي الحركة السعي إلى أي منصب سياسي. وأكد نائب رئيس نقابة الصحافيين والكتاب جمال أوساك: “ما زلنا نرفض إصدار أية تعليمات سياسية”. لكن الحرب بين الأخوة التي تمزق الأكثرية الإسلامية المحافظة في البلاد، يمكن أن تغير المشهد عشية الانتخابات البلدية في مارس والرئاسية في أغسطس.

وقال بيرم بلجي (مؤسسة كارنيغي) إن “الحركة تدعي منذ سنوات أنها لا تبالي بالسياسة ولا تهتم إلا بالسلام والحوار بين الأديان لكننا نرى اليوم أنها نشطة جدا في صفوف الشرطة والقضاء”. وأضاف أن “هذا الجانب الغامض سيسيء إلى سمعة الحركة”.

ويعرب جيم فيليبس المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة هريتدج الأميركية عن رأي مخالف، ويقول: “اعتقد أن الحركة لا تشكل تهديدا كبيرا لتركيا، أردوغان يبالغ فقط لصرف اهتمام الرأي العام عن الفضيحة التي تستهدف حكومته”.

12