حكومة أردوغان على خطى اليمين المتشدد

أحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تربعه على عرش السلطة في الداخل واسترداد النفوذ العثماني في الخارج، يجسدها توجهه نحو استفتاء شعبي في الربيع للتوسيع من صلاحياته في النظام الرئاسي، وتدخله البراغماتي في شؤون دول الجوار لا يكشف إلا عن دكتاتورية جامحة، لا يتوقع لها المحللون الصمود، خاصة لخسارة حزبه في الاستفتاء الأخير، وتلقي نظامه معارضة دولية بعد حملة القمع الانتقامية الواسعة عقب محاولة الانقلاب في يوليو الماضي.
الثلاثاء 2016/11/15
رفض الدكتاتورية

إسطنبول - تتجه تركيا نحو تنظيم استفتاء في الربيع لتوسيع صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان، الأمر الذي يعزز التوتر المحلي والدولي مع الأحزاب المعارضة ومع الاتحاد الاوروبي مع استمرار الحملة ضد المعارضة والسياسيين المناصرين للقضية الكردية.

وكان الاتحاد الأوروبي قد وجه نداء قويا لتركيا، الثلاثاء الماضي، لاستئناف الحوار السياسي مع جماعات المعارضة وحماية ديمقراطيتها واصفا التطورات الأخيرة في البلاد بأنها مقلقة للغاية.

وأشار بيان صدر قبل يوم واحد من اجتماع سنوي للاتحاد الأوروبي لتقييم التقدم الذي أحرزته تركيا في الوفاء بمعايير الانضمام إلى الاتحاد، إلى نقاش في أنقرة بشأن إعادة العمل بعقوبة الإعدام في أعقاب محاولة انقلاب عسكري فاشلة والحملة ضدّ الإعلام واعتقال مشرعين أكراد في الفترة الأخيرة.

تبني خط يميني

شنت السلطات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو الماضي حملة تطهير واسعة أفضت إلى اعتقال أكثر من 35 ألف شخص ولم يسلم منها التعليم والقضاء والصحافة والسياسة، في إطار حالة الطوارئ المفروضة منذ ذلك الحين.

ولكن اعتقال عشرة من صحافيي صحيفة “جمهورييت” المعارضة ورئيسي حزب الشعوب الديمقراطي المناصر للأكراد وتسعة من نوابه، يؤكد وفق المعارضين أن الحملة تجاوزت بكثير إطار مؤيدي الانقلاب الذي يتهم أردوغان الداعية فتح الله غولن بتدبيره مطالبا الولايات المتحدة بتسليمه.

ويقول محللون إن أردوغان الذي أصبح زعيما بلا منازع ركز جهوده بعد محاولة الانقلاب الفاشلة على كسب التأييد لتغيير الدستور وإقامة نظام رئاسي يقول مسؤولون حكوميون إنه ضروري لشرعنة الأمر الواقع.

وللحصول على الأغلبية الكبرى في البرلمان لتنظيم استفتاء، يحتاج أردوغان إلى دعم من نواب حزب الحركة القومية اليميني المتشدد، بزعامة دولت بهشلي المؤيد للحملة التي تستهدف المعارضة اليسارية والمناصرين للأكراد وقالت الحركة القومية إنها ستدعم مسعى الحكومة في حال مراعاة مطالبها.

يقول المحلل سونر شاغابتاي مدير برنامج تركيا في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لفرانس برس إن المفاوضات مع حزب الحركة القومية تدفع أردوغان إلى “التصرف بحزم كبير” مع حزب الشعوب الديمقراطي وكذلك مع حزب العمال الكردستاني المحظور.

ويضيف للصحافة الفرنسية “يمكننا خلال الأشهر الستة المقبلة توقع أن يظهر أردوغان بمظهر الرجل القوي وان يتبنى خطا يمينيا وبرنامجا قوميا”، ويتوقع بنتيجة التعديلات أن يتوج على رأس الدولة والحكومة والحزب الحاكم.

وتشهد العلاقات بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية المعارض، في الفترة الأخيرة تقاربا غير مسبوق، وتطورا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في منتصف يوليو الماضي، حيث يدعم الحزب بشكل مفتوح إجراءات الحكومة ضد المتمردين الأكراد والضالعين في محاولة الانقلاب.

ويرى محللون التصريحات الأخيرة لرئيس حزب الحركة القومية “دولت بهشلي” التي أثارت جدلا كبيرا في الأوساط السياسية التركية، أنها تكشف مدى طموح أردوغان الجامع في الانفراد بالسلطة ورغبته في اعتماد سياسة الحزب الواحد وتوظيف انقلاب يوليو لتصفية المعارضة والاستبداد بالسلطة مستغلا المتغيرات الدولية وتمكن الأحزاب اليمينية من كسب تأييد شعبي.

للحصول على الأغلبية الكبرى في البرلمان لتنظيم استفتاء، يحتاج أردوغان إلى دعم من نواب حزب الحركة القومية اليميني

وكان أردوغان صرح الجمعة أن النظام الرئاسي الذي تقول السلطات إنه سيكون شبيها بالنظامين الفرنسي والأميركي وأنه سيعطي تركيا “الفرصة لتسريع التنمية”.

ومنذ توليه السلطة في 2014 حرص الرئيس التركي على تمهيد الطريق لتغيير النظام الرئاسي بحملة قمع غير مسبوقة للمعارضة وللحريات ووسائل الاعلام.

ولاحقا بدأ الرئيس التركي بالترويج للتعديلات الدستورية، قبل أن يشن حملة أفضت في النهاية الى رفع الحصانة عن ألد أعدائه أي نواب حزب الشعوب الديمقراطي.

واقصاء عدد من النواب في البرلمان يتيح لحزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم أغلبية مريحة تسمح له بتمرير التعديلات الدستورية خاصة بعد ابعاد النواب الأكراد بوصفهم حجرة عثرة في طريق سلطوية أردوغان.

المعارضة عقبة رئيسية

اعتبر حزبا الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية القومي الكردي تجاوب العدالة والتنمية لتصريحات بهشلي زعيم الحركة القومية بناء على صفقة سرية تمت بينهما وهو ما زاد المشهد إرباكا.

ويؤكد حزب الشعوب الديمقراطي الذي حل ثالثا في البرلمان في انتخابات 2015 أنه مستهدف بسبب معارضته للنظام الرئاسي حيث أخذ رئيسه صلاح الدين دميرتاش المسجون منذ أسبوع على عاتقه عرقلة التعديلات الدستورية المقترحة.

وقال نائب رئيس الحزب هسيار أوزسوي "أوقفناه (أردوغان) في طريقه إلى النظام الرئاسي إنهم يعتبرون ‘حزب الشعوب الديمقراطي‘ عقبة رئيسية تجب إزالتها".

وتوقع محللون أن يجد خصوم أردوغان صعوبة بشكل متزايد، إن لم يكن من المستحيل معارضة الرئيس التركي ديمقراطياً، وسوف يختار البعض أن يكونوا عنيفين، ويتحوّلوا نحو الجماعات المتطرفة مثل "حزب العمال الكردستاني"، وجماعات أخرى في البلاد لأن الرئيس التركي دفع بالديمقراطية في بلاده إلى حافة الكارثة بعد حملات تطهير واسعة عقب الانقلاب.

ويظيف محللون من معهد واشنطن للدراسات أنه بغض النظر عن الاعتبارات الواقعية التي تقف وراء الروابط المزعومة بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، فإن لدى الرئيس دوافع سياسية كثيرة لاستهداف هذا الحزب وعلى الرغم من تنامي صلاحيات أردوغان، الرسمية منها وغير الرسمية، بما في ذلك سيطرته الفعلية على حزب العدالة والتنمية، لا تزال البلاد خاضعة للنظام البرلماني ولم يعد يحق قانونيا لأردوغان تولي رئاسة الوزراء لأي ولاية أخرى لذلك ركز على تحويل تركيا إلى نظام تنفيذي منذ توليه الرئاسة في عام 2014. وللقيام بذلك، يحتاج إلى الصلاحية اللازمة لتعديل الدستور، وهذا بدوره يتطلّب أغلبية برلمانية كبيرة.

وتتهم الحكومة التركية حزب الشعوب الديمقراطي بإقامة صلات مع حزب العمال الكردستاني الذي يهاجم الجيش وقوات الأمن وأنه يشكل واجهة سياسية له.

ويقول المحلل لدى المجموعة الدولية للأزمات بركي مانديراشي إن حزب العمال الكردستاني كثف هجماته بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في حين كثفت أنقرة العمليات العسكرية وحملة القمع الداخلية ضد مؤيدي الحزب. ويضيف منديراشي أن “الوضع السياسي في البلاد يوحي بالتوجه نحو سياسات حكومية أكثر تشددا”.

الاستفادة من فوز ترامب

أدّت الاعتقالات في حملة القمع التي شنها أردوغان إلى زيادة التوتر مع الاتحاد الأوروبي الذي وجه انتقادات حادة إلى تركيا في آخر تقرير حول التقدم المحرز في ملف الانضمام وخصوصا في مجال حرية الصحافة ودولة القانون.

ويبدي الاتحاد الأوروبي كذلك قلقه إزاء الحديث عن إمكانية العودة عن إلغاء حكم الإعدام الذي يعتبر شرطا للانضمام، وهو ما يؤيده القوميون الأتراك.

ويعتقد محللون أن توتر العلاقات التركية الأوروبية نتيجة موقف الغرب من تعامل أردوغان مع محاولة الانقلاب الذي رأى فيه الرئيس التركي تخليا للحلفاء عنه وهو ما جعله يغير من استراتيجيته بالبحث عن حلفاء جدد والتودد إلى ترامب الرئيس الجديد للولايات المتحدة حيث كان من بين قلة من القادة الذين تلقوا اتصالا منه بعد انتخابه رئيسا، وتأمل أنقرة في علاقات أسهل مع ترامب مما كانت عليه مع أوباما.

وكانت تركيا من أوائل الدول التي قدّمت التهنئة إلى الرئيس الأميركي الجديد وقد بالغت الصحافة التركية وفق متابعين ولا سيما المقربة من العدالة والتنمية، في الاحتفاء بهذا الفوز، والتقطت تصريحا أدلى به مستشار ترامب للشؤون الأمنية، مايكل فلين قال فيه إن على بلاده تسليم غولن وذلك كواجهة للغبطة التي طغت على التقارير ومقالات الرأي التي حفلت بها الصحف المقربة من الحزب الحاكم، إضافة إلى تصريح قديم لترامب قال فيه إنه سوف يُنشئ منطقة آمنة في سوريا، وسيجعل دول الخليج تموّل الخطة دون أن تتكلف الولايات المتحدة دولارا واحدا.

ويرى محللون أن استمالة تركيا للرئيس الأميركي الجديد يعود إلى الأولويات الداخلية للحزب الحاكم وصراعه مع الكيان الموازي وبعض أطراف المعارضة، ووفق أولوية الأمن القومي التركي وصراعه طويل الأمد مع الانفصاليين الأكراد، وامتدادهم مع أكراد سوريا.

6