حكومة الأردن عالقة بين عدوى التوترات الاجتماعية وصندوق النقد الدولي

حكومة عمر الرزاز مقبلة على زيادات ضريبية جديدة استجابة لضغوط من صندوق النقد الدولي.
الجمعة 2019/08/30
حالة عدم الرضى عن حكومة الرزاز تتزايد

عمان – تصاعدت في الأسابيع الأخيرة وتيرة التحركات الاحتجاجية في أنحاء من الأردن، حيث القاسم المشترك بينها رفض السياسات الحكومية ذات الأبعاد الاقتصادية.

وشهدت مدينة الكرك جنوب العاصمة عمان الخميس، تحركات احتجاجية مصحوبة بإغلاق للمحال التجارية احتجاجا على نقل مجمع الحافلات، الذي يرى المحتجون أن له أضرارا اقتصادية بالغة على المدينة.

وشارك عضو البرلمان صداح الحباشنة المعروف عنه انتقاداته الشديدة لرئيس الوزراء وفريقه الحكومي في التحركات في الكرك التي رفعت شعارات تهاجم عمر الرزاز ووزير الداخلية سلامة حماد.

وقال الحباشنة في تصريحات إعلامية إن وزير الداخلية يتوهم إمكانية فرض أمر واقع على أهالي الكرك باستخدام القبضة الأمنية، مشدّدا على أن الأهالي يرفضون استخدام المجمع الجديد للحافلات.

وكانت احتجاجات صاخبة شهدتها مدينة الرمثا من محافظة إربد الحدودية مع سوريا نهاية الأسبوع الماضي احتجاجا على إجراءات جمركية فرضتها حكومة الرزاز، من بينها تشديد الرقابة على السلع القادمة من سوريا ومنع “البحارة” من إدخال أكثر من علبة سجائر إلى الأراضي الأردنية.

ومصطلح “البحارة” يطلق على سائقي سيارات المسافرين الذين ينشطون بين الأردن وسوريا، وعادة ما يحمل هؤلاء معهم من سوريا مواد يتاجرون بها ومن بينها السجائر.

وتخللت احتجاجات الرمثا عمليات إشعال للعجلات المطاطية وإطلاق نار في الهواء من قبل المحتجين، وهو ما ردّت عليه القوات الأمنية بشن حملة مداهمات واعتقالات واسعة.

ويتهم سكان الرمثا حكومة الرزاز بالتضييق عليهم في لقمة عيشهم وهم المتضررون الأبرز من الأزمة السورية، فيما تغض الطرف عن “أباطرة التهريب”.

ويقول نشطاء من المدينة التي تشهد اليوم هدوءا حذرا، إن الوضع قابل للانفجار مجددا في حال لم تتم الاستجابة لمطالبهم وبينها إطلاق سراح جميع من تم اعتقالهم في التحرك الأخير.

وهناك خشية لدى الدوائر الرسمية الأردنية من انتقال عدوى الاحتجاجات من محافظة إلى أخرى، خاصة وأن جميع المؤشرات توحي بأن حكومة الرزاز مقبلة على زيادات ضريبية جديدة استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي.

وبدأت حكومة الرزاز العام الجاري في تطبيق قانون جديد للضريبة على الدخل يقوم أساسا على توسيع قاعدة الخاضعين للضريبة، في استجابة لمطالب الصندوق المرهقة.

وكانت الحكومة رفعت العام الماضي نسبة الضريبة المفروضة على عدد كبير من السلع والمنتجات، حيث بلغت سقف 16 بالمئة، في حين كانت لا تتجاوز 8 بالمئة.

وينتظر أن يقوم وفد من صندوق النقد الدولي خلال الأيام القليلة المقبلة بزيارة جديدة إلى عمان لإجراء المرجعة الثالثة لأداء الاقتصاد الأردني، وسط اعتقاد واسع بأن هذه الزيارة ستعقبها مطالب ضريبية جديدة.

ووافق المجلس التنفيذي للصندوق في العام 2016، على اتفاق يغطي 3 أعوام للاستفادة من تسهيلات بقيمة تعادل 514.65 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 723 مليون دولار)، لدعم البرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي والمالي، وتم التوصل إلى تمديد الاتفاق لمارس 2020.

محللون: المشكلة الاقتصادية في الأردن بنيوية متأصلة
محللون: المشكلة الاقتصادية في الأردن بنيوية متأصلة

واعتبر خبراء أن البرامج التي ارتبط بها الأردن مع صندوق النقد الدولي، لم تثبت نجاحها التام في إحداث نقلة اقتصادية نوعية في المملكة، رغم أنها جنبته الانهيار في مرحلة ما.

ويقول الخبير الاقتصادي محمد البشير، إن “علاقة الأردن مع صندوق النقد، التي يعود تاريخها إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي، هي انعكاس لعلاقة سياسية، وكانت سببا في توريطه بالديون عبر استثمارات وتشريعات عدة”.

ويبيّن البشير أن هذه الاستشارات رفعت المديونية من 6 مليارات دينار (8.4 مليارات دولار) إلى ما يقرب من 29 مليار دينار (40.8 مليار دولار) حاليا.

ويلفت إلى أن “الصندوق لم يعط توصيات إلا ورفعت من حصة الخدمات، من الناتج المحلي الإجمالي على حساب قطاعات منتجة مثل الصناعة والزراعة، رغم أنها القطاعات الأقدر على مواجهة البطالة والفقر، وتوفير عملة صعبة والتخفيض من فاتورة الاستيراد”.

وتمتد علاقة الأردن مع برامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، منذ 1989، شهدت نحو 5 برامج إصلاح اقتصادي.ويقول الخبير الاقتصادي سامر الرجوب، إن الأردن وخلال فترة علاقته مع الصندوق، انتقل من البرامج غير الإلزامية إلى البرامج الإلزامية.

ويضيف الرجوب “تحولت توصيات صندوق النقد إلى شروط ملزمة تتوقف عليها القروض والمساعدات المستقبلية، وما ينطبق على الأردن ينطبق أيضا على تلك الدول التي وقعت برامج مشابهة”.

وتبدو الحكومة الأردنية اليوم عالقة بين مطالب صندوق النقد الدولي وغضب الشارع المتنامي، وسط نظرة مستقبلية تشاؤمية لدى الكثيرين، فحكومة الرزاز أو غيرها لا تملك ترف الخيار، في ظل تراجع واضح للدعم الدولي للأردن يربطه البعض بدوافع سياسية.

ويقول محللون إن الملك عبدالله الثاني لا يخفي قلقه من المسار الاقتصادي وتحفظاته على سير الفريق الحكومي، بيد أنه لا يبدي حماسة لتغيير الحكومة لعدة اعتبارات من بينها أنه ليس هناك بديل يمكن الرهان عليه، فضلا عن الظروف الإقليمية.

وترأس العاهل الأردني الاثنين الماضي اجتماعا لمجلس الوزراء، وجّه فيه انتقادات لتباطؤ تنفيذ المشاريع الاقتصادية التي تم إقرارها، وغياب متابعة لمؤتمر لندن الذي عقد قبل أشهر.

وأكد العاهل الأردني على أهمية الاستمرار في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة للشباب، لافتا إلى ضرورة قيام الحكومة بتنفيذ مشاريعها الاستراتيجية المرتبطة بتحسين الواقع المعيشي للمواطنين وفقا للإطار الزمني المعد.

وطالب الحكومة بإعلام المواطنين بمواعيد إنجاز المشاريع، والوضوح في بيان أسلوب العمل، وكذلك توضيح الخطط والبرامج قائلا “نريد أن نرى نتائج قبل نهاية العام”، ما فُهم أنها رسالة من الملك إلى الرزاز بأنه إذا لم يتم استيعاب الوضع وتحقيق خطوط ملموسة تحسّن من الوضع الاقتصادي العام خلال الأربعة أشهر القادمة، فإنه سيقدم على خطوة إقالته.

ويشير البعض إلى أن المشكلة الاقتصادية في الأردن بنيوية متأصلة، زادتها الأوضاع الإقليمية وتراجع المملكة عن سلم أولويات الدول الداعمة تعقيدا، وبالتالي فإن اجتراح حلول جذرية وملموسة في القريب يبدو أمرا غير واقعي بغض النظر عن الطاقم الحكومي.

2