حكومة الائتلاف اختبار جديد لحزب العدالة والتنمية

فقدان ثلاثة ملايين صوت في الانتخابات التركية الأخيرة وخسارة 68 مقعدا في البرلمان، أصابا حزب العدالة والتنمية بالخيبة بعد ثلاث عشرة سنة من الحكم المطلق. خلال الحملة الاتخابية كذّب الحزب وأنصاره استطلاعات الرأي التي تتحدّث عن تراجع في شعبيته، وسخر من التقارير التي تتوقّع عدم حصوله على الأغلبية المطلقة، كعادته.
الجمعة 2015/06/12
الكلمة الفصل للشعب التركي في تحديد تاريخ صلاحية حاكمه

يوم 7 يونيو الماضي، حسم الناخب التركي كلمته، حين رفض تجديد البيعة لحزب العدالة والتنمية، وأكّد من خلال تصويته، على أنه يصعب تحقيق أي تقدم ديمقراطي، لا ينطلق أساسه من سيادة الدولة الوطنية المدنية.

وبعد توضّح الصورة، دخلت تركيا مرحلة البحث في تشكيل ائتلاف حكومي، لا يبدو أنه سيولد قريبا، بل من المتوقّع، أن يدفع حزب العدالة والتنمية نحو إجراء انتخابات مبكّرة علّه يتدارك خسارته، فيما تتحدّث تقارير عن إمكانية انقسام في صفوف الحزب الحاكم في تركيا، على خلفية الاستياء من تصرّفات الرئيس رجب طيب أردوغان، التي بات من الواضح أنها السبب الرئيسي لفشل الحزب في الحصول على أصوات الأغلبية.

وفي كل الحلات، يتوقّع أن تدخل أنقرة مرحلة استقطاب سياسي حادّ وأزمة داخلية قد تتفاقم نتيجة تداعيات الأوضاع الإقليمية، التي كانت اليد التركية مؤثّرة في كثير منها، ومحرّكة لبعض أحداثها، منذ اندلاع “الربيع العربي”، الذي يبدو أنه عاد أيضا بالسلب على حزب العدالة والتنمية، فلا هو نجح في تسويق نموذجه الإسلامي في الدول التي تغيّرت فيها الأنظمة ولا استطاع أن يحافظ عليه كنموذج “مثالي” لحكم تركيا.

انحراف العدالة والتنمية

اجتمعت عناصر عديدة في كتابة سيناريو نهاية الحكم المطلق لحزب العدالة والتنمية، منها الرغبة في البقاء في الحكم أطول مدة ممكنة، زنزعة الرئيس أردوغان السلطوية وفشل الحزب في الجمع بين الإرث الليبرالي القومي التركي والنزعة الإسلامية المحافظة، ورغبته في قولبة المجتمع والدعوة إلى قيم ومحاربة أخرى، ناهيك عن محاولة التحكم بمفاصل الدولة، وهي نفس السياسة التي انتهجها كمال أتاتورك، لكن بوجه مقلوب.

فقد كان حزب أتاتورك “حزب الشعب الجمهوري”، الذي تشكل سنة 1923 مسيطرا على الساحة السياسة التركية التي عاشت على وتيرة حكم الحزب الواحد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانت حرية التعبير وحرية الممارسات الدينية والإثنية شبه معدومة ومارس النظام الذي كان أقرب إلى الدكتاتورية، إقصاء للأقلية الكردية.

وساعد الاقتصاد المتردي وتضييق الخناق على حرية التعبير والدين في تشكيل جبهة معارضة ضد حزب الشعب الجمهوري الحاكم، الذي كان في البداية محلّ ترحيب شعبي لكن، شيئا فشيئا، ونتيجة نزوعه نحو الاستبداد، نقلص التأييد، وكان لتداعيات الوضع ما بعد الحرب العالمية الثانية تأثير على تغيرات الداخل.
أحمد داوود أوغلو: التاريخ يظهر عدم ملاءمة الحكومات الائتلافية لتركيا

وإلى حدّ ما يشبه الوضع، ما يعيشه حزب العدالة والتنمية، اليوم، فبعد عام 2010، لم يعد حزبا محافظا، بل جنحت به الرغبة الأيديولوجية إلى تغيير المجتمع والأفق الحضاري المدني والعلماني. وعوض أن يوجه الحزب جهوده لدمقرطة وتقويم الممارسات الاستبدادية التي كانت تحصل من لدن المؤسسة العسكرية والاتجاهات العلمانية المتطرفة، اتجه إلى التطبيع والتطبيل للإسلاموية في بلد أغلب سكانه مسلمون، بحيث يطرح السؤال هل الديمقراطية المنشودة كان عليها أن تؤدي بالضرورة إلى أسلمة المجتمع والدولة؟

وعلى غرار انتخابات 1950 التي شكّلت منعطفا تاريخيا هاما في مسيرة تركيا الحديثة حين انتصر الحزب الديمقراطي على حزب الشعب الجمهوري بأغلبية ساحقة بعد أن كان الحزب الحاكم لمدة 27 عاما، تعتبر انتخابات 2015 محكا حقيقيا لفرملة النزعة الاستبدادية الجامحة، لكن سيدفع الأتراك ثمن ذلك حيث من الممكن أن تؤدي نتيجة الانتخابات إلى ظهور ثلاث تحديات رئيسية:

◄ تباطؤ النمو الاقتصادي: بالرجوع إلى تصنيف البنك الدولي، انتظرت تركيا حوالي خمسين عاما لكي تمر من تصنيف الدول ذوات الدخل المتوسط المنخفض (1006 دولار-3975 دولار) إلى مصاف الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع (3976 دولار–12275 دولار)، بحيث كانت الأزمات الاقتصادية المتعاقبة تحول دونها وتحقيق تنمية مستدامة، ولم تستطع تحقيق ذلك إلا بعد 2003، حيث قفز دخل الفرد من 3500 دولار إلى 10500 دولار بين 2002-2008.

لكن بتنا نعاين توقف هذا المسلسل مع بداية 2008 من جديد، عندما فضل الحزب الحاكم نهج سياسة تنموية على المدى القصير عوض نهج سياسة تغيير هيكلي جذرية، مما يجعل تركيا تراوح مكانها بين 10000 و12000 دولار على أبعد تقدير، وهو الأمر الذي قد يخلق صعوبات جمة أمام تطلعات الشرائح الاجتماعية، بما فيها الشرائح التي تصوت على الحزب الحاكم وقد يدفعها عكسيا للاحتماء بأيديولوجيات متطرفة في حالة شعور بخطر يهدد مصالحها.

أبرز الحكومات الائتلافية في تركيا
تتسم فترات الحكومات الائتلافية في تركيا بتراجع مستوى الاستقرار السياسي، الأمر الذي يدفع بالجيش إلى التدخّل. ومن أبرز هذه الحكومات:

◄ انتخابات عام 1961: شكّل حزب الشعب الجمهوري حكومة ائتلافية برئاسة عصمت إينونو.

◄ في انتخابات 1995: حصل حزب الرفاه بزاعمة نجم الدين أربكان على أغلبية المقاعد، وشكل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، لتشهد تركيا انقلابا جديدا من القيادات العسكرية.

◄ انتخابات1991 : شكل حزب الطريق المستقيم بزعامة سليمان ديميرل ائتلافا مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة أردال إينونو.

◄ انتخابات 1995: تم تشكيل ائتلاف حكومي بين حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان وحزب الطريق القويم، بزعامة تانسو تشيلر، لكنه لم يدم طويلا، إذ أزيح من السلطة بانقلاب ناعم عام 1997.

عادت حكومة الحزب الواحد للبلاد، مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في 2002، وفوزه في انتخابات 2007 و2011، قبل أن يفشل فى الحصول على الأغلبية المطلقة في انتخابات 2015، لتدخل تركيا من جديد عهد الحكومات الائتلافية.

◄ الاستبداد الديمقراطي: يمكن أن يؤدي تباطؤ النمو بحزب العدالة والتنمية وزعيمه إلى استغلال الشعبوية الدينية في محاولة لتبرير هذا التباطؤ بتركيز مجمل مفاصل السلطة في يده على نحو ما كان يلوح في الأفق والتوجه من استبداد ديمقراطي إلى أوتوقراطية شعبوية تعتمد على شخص الزعيم الوحيد والتجاذب السياسي بين الأحزاب الأربعة الكبرى.

◄ العزلة الدولية النسبية: تركيا تعتمد بنيويا على الاستثمارات الأجنبية للحفاظ على نموها، وهو ما يشير إلى ضرورة الحفاظ على علاقات دولية متوازنة تضمن لها الاستقرار، بحيث لم يتحقق النمو الاقتصادي الكبير في سنوات 2000 إلا بحصولها على استثمارات ضخمة من الاتحاد الأوروبي المرتبطة باتفاق جمركي معه، كما أنها عضو في منظمة الحلف الأطلسي وعضو في المجلس الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، لذلك من الصعوبة أن تغير هذا الاتجاه، دون أن يخل ذلك بتوازنها الاجتماعي السياسي.

وبالتالي يفرض فقدان 9 بالمئة من أصوات الناخبين على قادة حزب العدالة والتنمية تفكيك ظاهرة الاستقطاب الحاد في المجتمع والتخلي عن دبلوماسية نشر الإسلام السياسي في العالم العربي إذا أرادت أن تبني علاقة شراكة استراتيجية معه، فضلا عن الانفتاح على المرجعيات الأخرى، فهي القادرة على إنجاح أي عملية تنمية.

العد العكسي والمخاطر المقبلة

في أول خطاب له منذ الانتخابات البرلمانية، التي أفضت إلى خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم الغالبية المطلقة ما دعاه إلى الإعلان عن التشاور مع المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية. وقد ودفعت نتائج الانتخابات الحزب الحاكم للبحث عن شريك صغير لتشكيل حكومة ائتلافية أو مواجهة خيار تشكيل حكومة أقلية بشكل منفرد. وفي حال فشل الحزب الحاكم في الخيارين قد تشهد تركيا انتخابات مبكرة. ولم يخطئ رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو بقوله إن التاريخ أظهر عدم ملائمة الحكومات الائتلافية لتركيا. وقال داوود أوغلو “لقد استخدمنا نماذج الحكومات الائتلافية في السبعينات والتسعينات كأمثلة لنبرهن أن الائتلافات ليست مناسبة لتركيا”.

وبالفعل، أمثلة عديدة في التجربة السياسية التركية المعاصرة تكشف أن الحكومات الائتلافية لم تنجح في خط برنامج حكم يستجيب لأبرز التحديات التي واجهتها، بل سقطت صريعة على صخرة الانقسامات المزمنة. كما أن الواقع أثبت أن تركيا لا تحتاج إلى سلطوية مهيمنة جديدة محل أخرى، فهي تسفر دائما إلى العودة إلى مربع الصفر، والوقوع في فخّ الاستبداد الديمقراطي والفساد السياسي والركود الاقتصادي.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون.

6