"حكومة الرئيس2".. قيس سعيّد ينتصر على الأحزاب

أحزاب هشة وبرلمان معطل يعبّدان الطريق أمام عودة النظام الرئاسي.
الثلاثاء 2020/07/28
المشيشي رهان الرئاسة للقطع مع انتهازية الأحزاب

الجدل بشأن تكليف هشام المشيشي بتشكيل حكومة جديدة في تونس، لم يكن فقط بسبب استئثار الرئيس قيس سعيّد بتكليفه بدل توسيع الاستشارة مع الأحزاب وممثلي الكتل البرلمانية، وإنما لما يقف وراء ذلك من قناعات وما سيفضي إليه من نتائج على مستقبل الأحزاب والبرلمان والنظام السياسي ككل، في وقت تتحرك فيه الأحزاب بأسلوب ردة الفعل لتسجيل النقاط على الخصوم دون قراءة حساب النتائج.

تونس – بعيدا عن موجة المديح والهرولة لدعم خيار الرئيس قيس سعيّد تكليف تكنوقراط بتشكيل الحكومة، فإن عملية الاختيار كشفت عن رغبة الرئيس التونسي في عدم بناء أي تحالف مستقبلي مع الأحزاب في “حكومة الرئيس2” بعد أن فشل الرهان على “الطيف الثوري” في بناء “حكومة الرئيس1” على قاعدة مقاومة الفساد، ليكتشف في الأخير أن رئيس هذه الحكومة تثار حوله شكوك الفساد واتهامات تضارب المصالح، وهو أمر لو استمر كان سيمس من مصداقية الرئيس ووعوده وشعاراته.

وفيما كان الرئيس يراهن على تحالف حكومي لديه قاعدة برلمانية أوسع من منظومة ما بعد ثورة 2011، إلا أنه اكتشف أن ثورية تلك الأحزاب تقف عند حدود الشعارات، وأن تشابكها مع الفساد والبيروقراطية والرغبة في اختراق مؤسسة السلطة يجعلانها آليا في صف مقابل لخياراته بقطع النظر عن خلافه المكشوف مع حركة النهضة والاختلاف على الصلاحيات وتأويل النصوص القانونية.

من هو المشيشي؟

خالد الكريشي: اختيار قيس سعيّد للمشيشي قرار صائب وفي الطريق الصحيح
خالد الكريشي: اختيار قيس سعيّد للمشيشي قرار صائب وفي الطريق الصحيح

كان تعيين هشام المشيشي، وهو رجل إدارة وخريج منظومة ما قبل الثورة، والسعي لتشكيل حكومة كفاءات وطنية سواء دعمتها الأحزاب أم لم تدعمها، فيه إشارة واضحة من قيس سعيد إلى أن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة أحزاب، وأن التونسيين يكفيهم ما تحملوا من صراعات وصراخ وتصفية حسابات، سرا وعلنا، وأن الطريق معبد الآن أمام حكومة من التكنوقراط للبدء بالإصلاحات الاقتصادية العاجلة التي ينتظرها الناس كما تشترطها الصناديق المالية الدولية والجهات المانحة.

وأعلن سعيد، السبت، تكليف وزير الداخلية بحكومة تصريف الأعمال، هشام المشيشي، بتشكيل حكومة، خلال مدّة لا تتجاوز الشهر، وفق البند 89 من الدستور، انطلاقا من الأحد.

ويسود اعتقاد واسع أن الأحزاب ستقبل بالأمر الواقع، وأن حكومة التكنوقراط ستكون بمثابة حل يحفظ ماء الوجه بالنسبة إلى الجميع بمن في ذلك حركة النهضة التي تبدو مترددة في التسليم للرئيس سعيد بقيادة السلطة التنفيذية بوجهيها، أي مؤسسة الرئاسة ورئاسة الحكومة، بعد أن سعت خلال عشر سنوات لأن تكون الحكومة تحت إمرة البرلمان وحسابات الأحزاب وشروطها ومنطق الترضية في توزيع الحقائب.

النهضة اكتفت على لسان بعض قيادييها، أو من خلال تسريبات موجهة، بتمني النجاح لحكومة المشيشي، والدعوة إلى حكومة “وحدة وطنية سياسية” وليس حكومة كفاءات، راجية من رئيس الحكومة المكلف أن يوسع دائرة المشاورات لتشمل مختلف الكتل البرلمانية.

ليس هناك مؤشر على أن النهضة يمكن أن تضع العصا في عجلة حكومة المشيشي وإغضاب قيس سعيد وتوسيع الهوة بينها وبينه، وهي التي تسعى لتبريد الخلاف معه ومنع تحوله إلى مواجهة مباشرة قانونية وسياسية وأمنية.

أحمد صواب: الرئيس وسع صلاحياته، وفي هذا خطر على الدستور والحريات
أحمد صواب: الرئيس وسع صلاحياته، وفي هذا خطر على الدستور والحريات

ولا يستبعد أن تلتحق حركة النهضة بفريق الداعمين للحكومة الجديدة، وهي فرصة لها أن تخفف من الأعباء والانتقادات الموجهة لها من أنصارها قبل خصومها كونها عجزت عن الحكم طيلة عشر سنوات مع أن وزنها البرلماني والسياسي يسمح لها بذلك، وهي تتهرب من الحكم وتعمل على أن تدفع بشخصيات “مستقلة” لتحكم من ورائها.

وهذا منطقي بعد أن أبدى أغلب خصومها دعمهم لفكرة حكومة يمسك الرئيس بمقودها بهدف تحقيق عدة نقاط، أولاها قطع الطريق أمام أي حكومة تقودها حركة النهضة، أو تتحكم فيها بشكل أو بآخر. وثانيها، اكتشاف هذه الأحزاب أن أعباء الحكم كبيرة ومرهقة، وأن البقاء على الربوة أسلم خاصة إذا نجحت في أن تظهر في صف “حكومة الرئيس2” وتستفيد من عائدها السياسي، وهو ما جعل حركة مثل حركة الشعب تكون أول من يصدر بيانا داعما للحكومة الجديدة ولخيار قيس سعيد في اختيار رئيس حكومة بمرتبة وزير أول يكون دوره تنفيذ أفكار الرئيس وأوامره.

وقال خالد الكريشي القيادي في حركة الشعب إن “اختيار قيس سعيد للمشيشي لتشكيل الحكومة هو قرار صائب وفي طريقه الصحيح، ونحن نرحّب به”، وأن “المشيشي هو الرجل المناسب في المكان المناسب”.

وينتظر أن تتوسع دائرة “داعمي الرئيس” من الأحزاب المشكلة للتحالف الثوري، الذي قاد حكومة الفخفاخ وفشل في الاستمرار بسبب الصراعات الحزبية، على أمل أن يستمر الرئيس في الاستفادة من دعمها السياسي، فضلا عن اعتماد وزراء وكتاب دولة (وزراء شؤون) وكادر إداري مركزي ومحلي منها. ولا يبدو أن رئيس الحكومة المكلف يفكر باللجوء إلى الأحزاب أو الاتكاء على رصيدها وكوادرها في تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة وببرنامج واضح لإنقاذ الاقتصاد ومنع اتساع الأزمة الاجتماعية.

لكن السبب الرئيسي لمغامرة الأحزاب بدعم حكومة تقوم على استثنائها هو منع وصول التوتر مع الرئيس إلى قرار حل البرلمان والإعلان عن انتخابات مبكرة، وخسارة الكثير من النواب (أكثر من مئة) لمواقع برلمانية كانوا حصلوا عليها بنظام أكبر البقايا، وقد لا تتوفر لهم فرصة العودة إلى البرلمان وامتيازاته المالية والسياسية والاجتماعية حتى لو جرت تلك الانتخابات وفق النظام الانتخابي الحالي، وهو ما يرجح تهافتا من النواب من مختلف الكتل على التصويت للحكومة الجديدة خوفا من غضب الرئيس والمرور إلى قرار الحل.

وإذا تم حل البرلمان فسيصبح قانونيا من حق الرئيس سعيد أن يعوض المؤسسة التشريعية وذلك بإصدار مراسيم بشأن الانتخابات المبكرة وموعدها. مع ملاحظة أن الرئيس التونسي، وهو الأستاذ الجامعي، قد استفاد من ثغرات كثيرة في دستور 2014 الذي كانت وراءه حركة النهضة بدرجة أولى، وهو ما يعطي مبررا إضافيا لدعاة تعديله وتطويره.

مشكلة نظام سياسي

إذا تم حل البرلمان سيصبح قانونيا من حق الرئيس سعيد أن يعوض المؤسسة التشريعية
إذا تم حل البرلمان سيصبح قانونيا من حق الرئيس سعيد أن يعوض المؤسسة التشريعية

لكن الأهم أن الرئيس قد يبادر إلى استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي والخروج به من نظام برلماني مشوه إلى نظام رئاسي مباشر يمكّن الرئيس من دور أكبر في تنفيذ أفكاره حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية. كما أن التعديل قد يطال القانون الانتخابي لينقله من الانتخاب على القوائم إلى الانتخاب على الأفراد، وهو ما يجعل الانتخابات أقرب إلى أصوات الناس في المناطق أكثر من تأثير الحمية الأيديولوجية والسياسية، وهذا سيكون له تأثير أكثر في الانتخابات المحلية.

لقد أثبت خيار سعيد بالرهان على شخصية مستقلة من خارج اختيارات الكتل البرلمانية هشاشة وضع الأحزاب وانتهازيتها، وارتباط أفكارها بوضع الخصوم أكثر منها الدفاع عن قيم أو برامج.

ومن رفع الأصوات والمزايدة بالديمقراطية وجدنا أن كثيرين خيروا وفي لحظة واحدة أن يضحوا بالشعارات الديمقراطية وحكم المؤسسات و”الشرعية الشعبية”، وأن يلتحقوا بصف الرئيس الذي يريد أن يمسك الحكم بقوة، وأن يجدوا لذلك مبررات فكرية وسياسية ويوغلوا في المديح.

كان على هؤلاء السياسيين أن يقفوا في المنتصف، من ناحية الدفاع عن الديمقراطية كمكسب حصل عليه أغلبهم دون جهد، والتمسك بالمؤسسات وقطع الطريق على حكم الفرد مهما كان عادلا لأن ذلك سيعيد البلاد إلى المربع الأول، وهو ما أشار إليه القاضي أحمد صواب بقوله في تصريح لموقع الشارع المغاربي إن “قيس سعيّد وسع صلاحياته ليُمثل محكمة دستورية ورئيس حكومة ورئيس جمهوريّة، وفي هذا خطر على روح دستورنا وهناك خطر على الحريات”.

7