حكومة الشاهد: تفاوض بالآلة الحاسبة

حالة الاستعصاء بين الحكومة والفاعل النقابي مردّها أن المنظمة الشغيلة تفاوضت بمنطق السقف الذي لا يمكن للعامل والأجير أن يقبل دونه، في حين أن الحكومة تفاوضت بشروط صندوق النقد الدولي التي لن يسمح بالتفاهم فوقها.
الخميس 2019/01/17
حالة الاستعصاء تتعمّق بين الحكومة والفاعل النقابي

كلما ذهبت تونس إلى سيناريو الإضراب العام كلما ازدادت الحيرة وتلبّست الضبابية المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، لا فقط لأنّ الإضراب العام يؤشر إلى تباين كبير بين الفاعل التنفيذي من جهة والفاعل الاجتماعي من جهة ثانية، بل لأنّه يؤشر إلى افتقاد الطبقة السياسية القدرة على إدارة الأزمة واجتراح الحلول الضرورية وقصور التفاوض على تقديم البدائل عن المقاربات القصوية في الاحتجاج.

الإشكالية في الحالة التونسية عميقة وتتجاوز بُعد التجاذب الحاصل بين الحكومة والمنظمة الشغيلة، ذلك أن التلويح بالإضراب العام وقعت الإشارة إليه منذ نحو شهرين وخطاب التصعيد والتنبيه من قبل قيادات الاتحاد إلى إمكانية اللجوء إلى الإضراب العام لم يكن وليد اللحظة، وعلى الرغم من كل هذه المقدمات إلا أن الفاعل الرسمي لم يتحرّك إلا في الأيام القليلة الماضية وتحصّن بمقولة قلة ذات اليد، ولم يُقدم على التنازلات الحقيقية والتفاوض الجدي إلا حين بداية الاتحاد في العد العكسي.

وهو مشهد يفضي إلى فرضيتين اثنتين، الأولى أنّ الفاعل الرسمي أراد ربح الوقت والتعويل على التبرّم الشعبي، وهو للحقيقة غضب عام على كافة الفاعلين ودون استثناء، لدفع الاتحاد على تقديم تنازلات في المفاوضات حتى يلتقي الطرفان عند منتصف الطريق. والثانية أنّ الحكومة لم تبتغ الانخراط الجدي في المفاوضات الاجتماعية إلا عقب استصدار ضوء أخضر من قبل صندوق النقد الدولي يتيح لها هامشا للمناورة مع الاتحاد وحيّزا لإخماد الاحتقان المشتعل في أكثر من جهة وأكثر من قطاع.

لن نستبعد الفرضية الأولى ولا الثانية، فكلتاهما تتقاطعان في مقولة تفسيرية واحدة قوامها أن الحكومة أرادت الاستفادة من الوقت ومن التبرّم الشعبي حيال الإضرابات في قطاعات حساسة على غرار قطاع التعليم والنقل والصحة، وسعت في نفس الوقت إلى إدراك هامش اللعب والمناورة الاجتماعية المسموح به من قبل اللاعبين والمانحين الكبار.

حالة الاستعصاء بين الحكومة والفاعل النقابي مردّها أن المنظمة الشغيلة تفاوضت بمنطق السقف الذي لا يمكن للعامل والأجير أن يقبل دونه، في حين أن الحكومة تفاوضت بشروط صندوق النقد الدولي التي لن يسمح بالتفاهم فوقها.

لا يعني هذا الأمر أن الحكومة تستوصي بقرارات أجنبية، ولا أنها فوّضت القرار الوطني للمانحين الدوليين، ولكن في المقابل لا يمكن أن نتجاوز حقيقة أن شروط صندوق النقد الدولي جسّدت سقوف التفاوض ومحدداتها، وأن العرض الذي تقدمت به حكومة يوسف الشاهد كان ضمن الحد الأقصى للمسموح دوليا ولكنه لم يرتق إلى مستوى الحدّ الأدنى من المقبول نقابيا.

هنا تتضح صعوبة الاستحقاق الاقتصادي زمن الثورات، حيث تتقاطع أحقية التنمية مع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للطبقة الشغيلة مع استحقاقات التداين من المانحين الدوليين، وهنا أيضا تتضح معضلة التفاوض من جانب الحكومة على الأقل حين استعصى الجمع بين المقاربة الاجتماعية من جهة، والمقاربة الليبرالية من جهة ثانية.

على هذا الأساس يُمكن فهم أسباب رفض الاتحاد للعرض الأخير للحكومة، والذي كان جديا وجيّدا في بعض جوانبه. فاستبعاد المتقاعدين من الزيادة في الأجور يضرب في العمق البعد الاجتماعي لأي زيادة، ويزيد الشقة القائمة اليوم في المجتمع بين الطبقة الفقيرة والغنية، شقّة أخرى وتباينا جديدا بين الفئة الشغيلة والفئة المتقاعدة.

الحكومة تتفاوض بمسلكية الآلة الحاسبة، ولا يُمكن لهذه المنظومة أن تنجح في ظل افتقاد للأبعاد الاجتماعية وافتقار للجوانب التضامنية في المجتمع.

وعندما تُقدم الحكومة مقترحات اقتصادية تقوم على التجاهل النسبي لقضايا شريحة معتبرة من المجتمع على اعتبار أنها متقاعدة، فهي تعطي إشارة سلبية لا فقط للمتقاعدين حيث يقع تمثلهم كطبقة غير منتجة في البلاد، بل للرأي العام بأن حكومة الشاهد لا تتنازل إلا لصالح العاملين الذين بإمكانهم أن يقايضوها في نشاطهم، وهي بهذا الشكل تُعطي صورة بأنها لا تتفاوض من أجل الاستقرار والسلم المجتمعي بل تتفاوض للمقايضة وللتسوية المؤقتة والجزئية.

قد يكلف الإضراب العام الكثير من الخزينة العمومية، وقد يزيد من التباين السياسي بين الحكومة والاتحاد، ولكنه في المقابل يقدم رسالة للحكومة بضرورة تغيير مسلكيتها التفاوضية أسلوبا ومرجعية، وللاتحاد أيضا بضرورة العودة العاجلة إلى الحوار على أساس التفاهم المشترك.

8