حكومة الشاهد في تونس: ضغوط الخارج وهدير الداخل

الجمعة 2016/10/21

امتلأت أحداث هذا الأسبوع في تونس بصخب سياسي وإعلامي واجتماعي كبير إثر إعلان حكومة يوسف الشاهد عن تمريرها مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2016 وقانون المالية الجديد لسنة 2017 إلى مجلس نوّاب الشعب. ومأتى الصخب من شركاء الحكومة والفاعلين في اتفاق قرطاج والممضين عليه بهندسة رئاسة الجمهورية وإشرافها، ومن معارضيها وخصومها مثل الجبهة الشعبية.

صخب شركاء الحكومة منهجي أوّلا ومضموني ثانيا.

فعلى مستوى المنهج أعلنت المنظمات الوطنية الشريكة للحكومة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين عن أن الحكومة قطعت المشاورات حول الميزانية من جانب واحد، وقدّمت مشروعا أحاديّا إلى مجلس نواب الشعب خلافا لما ينص عليه اتفاق قرطاج الذي وقّع عليه المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل والذي أنجب حكومة الشاهد.

وعلى مستوى المضمون أصدر كلّ من الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بيانين منفصلين يرفضان فيه كلّ ما ورد في قانون المالية الجديد من إجراءات جملة وتفصيلا. فالهيئة الوطنية للمحامين تعتبر الإجراءات الجبائية الجديدة الموظفة على المحامين مجحفة في حقهم ولا تقوم على مبدأ المساءلة على الثروات واستخلاص المتخلدات، وإنما تساوي بين المحامين الكبار لا سيما من أصحاب شركات المحاماة والخدمات الاستشارية القضائية العدلية وبين المحامين الصغار وهم الغالبية العظمى التي تعجز عن تأمين دخل محترم لها.

أما الاتحاد العام التونسي للشغل فإنه يرفض تعليق الزيادة في أجور الأجراء المتفق عليها مع حكومة الحبيب الصيد والصادرة في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية، وهي التي تحققت بعد تنازلات كبيرة من الاتحاد واعتبرت في حينها هزيلة ولا ترتقي إلى حجم الزيادات الفعلية التي يمكن أن تساهم في حماية الطاقة الشرائية للأجراء.

كما عدّ بيان الاتحاد مشروع قانون المالية الجديد شبيها بإعلان الحرب ودعا إلى التعبئة العمالية للتصدي له بأشكال نضالية متعددة منها ما أعلن عنه الأمين العام المساعد للاتحاد المكلف بالوظيفة العمومية، حفيظ حفيظ، عبر عن إمكانية تنظيم تجمعات عمالية وشعبية ضخمة حول مقرّ الحكومة في القصبة ومقرّ مجلس نوّاب الشعب في باردو، إضافة إلى التلويح بالإضراب العام.

وكان الأمين العام للاتحاد، حسين العباسي، قد ألمح إلى أن الحكومة تغالط الرأي العام في ما يتعلق بتوصيات صندوق النقد الدولي حول الضغط على حجم الوظيفة العمومية بتعليق الانتدابات فيها وتعليق الزيادات في الأجور، قائلا إنه قابل مديرة صندوق النقد الدولي أربع مرات ويعرف أن التوصيات المتعلقة بالوظيفة العمومية ليست إلا نقطة بسيطة من جملة حزمة من الإصلاحات والإجراءات التي طالب بها صندوق النقد الدولي لإنقاذ المالية العمومية في تونس، وأهمها مقاومة التهريب والتهرب الجبائي ومقاومة الفساد الإداري والمـالي في القطـاعين العام والخاص.

المهم أن أخطر ما في بيان الاتحاد وفي التصريحات الأخيرة لقادته هو المحمول السياسي ثم الاجتماعي. فيبدو أن الاتحاد هو الوحيد من بين الفاعلين في اتفاق قرطاج الذي يفهم دوره جيدا ولا يتحرك داخل إطار التفخيخ ولا يبني مواقفه إلا على الملفات ولا يراعي إلا مصلحة الوطن والأجراء، وهو ما دأبت قيادة الاتحاد على التذكير به.

بينما تصور بقية الممضين على اتفاق قرطاج أنهم جروا رجل الاتحاد إلى خياراتهم، وأن توقيع الاتحاد معهم يعني منحهم صكّا على بياض لتنفيذ سياسة الإملاءات الأجنبية التي أوّلوها على طريقتهم بما يخدم بارونات التهريب والتهرب الجبائي والفساد ويزيد من إثقال كاهل الأجراء والعمال.

مرّة أخرى يثبت الحاكمون في تونس أنهم لا يحسنون التعامل مع الاتحاد العام التونسي للشغل، فنفس السياسة المنتهجة منذ زمن الحبيب بورقيبة تستمر إلى اليوم، إذ أن محاولات جرّ الاتحاد إلى مربعات الخيارات اللاوطنية لم تتوقف رغم أنها لم تفلح أبدا. وتنتهي باستمرار إلى أزمات كبرى كثيرا ما تسيل فيها الدماء وذكرى شهر يناير 1978 أمام ناظري التونسيين.

إن المحمول السياسي لبيان الاتحاد يتمثل في كونه يعبر عن انسلاخ من اتفاق قرطاج وإعلانا لبطلانه باعتبار أن الحكومة المكلفة بتنفيذه حادت عنه. وإذا سقط اتفاق قرطاج سقطت معه حكومة الشاهد المنسلة عنه. أما المحمول الاجتماعي فإنه يتمثل في كون الدعوة إلى تجمعات ضخمة حول قصري الحكومة ومجلس نواب الشعب تعني شلّ عملهما ونزع الشرعية عنهما، وربما يأتي بعد ذلك إضراب عام لينهيهما ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر قد تكون الإعلان عن حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكّرة.

من جهة أخرى بدأت الجبهة الشعبية التي تقود المعارضة السياسية في تنفيذ خطة نضالية للتصدي لقانون المالية الجديد. وتلتقي الجبهة مع اتحاد الشغل في نفس القراءة لمشروع القانون المقدم من الحكومة ويتخذان الموقف نفسه منه. وتتمثل خطة الجبهة في واجهات ثلاث سياسية وإعلامية وميدانية.

على المستوى السياسي أصدر المجلس المركزي للجبهة الشعبية بيانا رافضا لمشروع قانون المالية الجديد محملا الحكومة والائتلاف الحاكم برمته، وأساسا حزبي نداء تونس والنهضة، المسؤولية الكاملة في الاحتقان الاجتماعي الذي ستقود إليه إجراءات تعليق الزيادات في الأجور وتخلي الدولة عن دورها في التشغيل ومواصلة نفس السياسات والخيارات القديمة التي قادت إلى تفجير ثورة ديسمبر 2010 يناير 2011.

إعلاميا تقود الجبهة حملة إعلامية في مختلف وسائل الإعلام للترويج لبرامج وخيارات بديلة قادرة على إنقاذ تونس، وعلى توفير موارد مالية ضخمة للدولة تتجاوز بها وهنها وتمكنها من الشروع في إنجاز التنمية العادلة وتحقيق أهـداف الثورة منها تعليق تسديد الديون لثلاث سنوات وإجراء تدقيق على الديون وسنّ ضريبة قيمتهـا 1 بالمئة على أصحاب الثروات الكبرى، والقيام بإصلاح زراعي وتثمين الثروات المـائية والطبيعية، وإعادة مناقشة الاتفاقيات والبروتوكولات الممضاة مع الـدوائر الأجنبية والتي فيها ضرر لتونس مثل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وميدانيا شرعت الجبهة الشعبية في تنظيم مظاهرات ومسيرات في الشارع رافضة لخيارات الحكومة ومنددة بفشلها في إنقاذ تونس. ولا يبدو أن هذه المظاهرات ستتوقف بل لعلها تلتقي مع دعوات الاتحاد العام التونسي للشغل إلى محاصرة مقري الحكومة والبرلمان. وهو ما ينبئ بمستقبل غامض لتونس في الأشهر المتبقية من 2016.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9