حكومة العبادي على محك الاختبار

الثلاثاء 2014/09/16

كثيرة هي الوعود التي قطعها حيدر العبادي على نفسه، لكن العِبرة ليست في الكلام المعسول الذي يُطلقه هذا السياسي أو ذاك، خصوصاً من صنّاع القرار في الرئاسات الثلاث التي لا تزال مترهلة ولم تترشق بعد كي تُنقذ كاهل الخزينة العراقية من النهب المنظم والمقنن للمال العام.

تلقى العراقيون خبر تعيين النواب الثلاثة لرئيس الجمهورية باستياء، لأنّ هذا المنصب وفقاً للدستور العراقي هو منصب بروتوكولي، طالما أن نظام الحكم في العراق نيابي وليس رئاسياً، فما الحاجة لتعيين ثلاثة نواب للرئيس بدلاً من نائب واحد؟ ومردّ هذا الاستياء لا يقتصر على فشل هذا النائب، أو ذاك، في تأدية المهمات والمسؤوليات المُوكلة إليه، كما هو حال إياد علاوي الذي اعترف بفشله جهاراً نهاراً، وهذه ظاهرة غير مسبوقة في المشهد السياسي العراقي الراهن تُحسب له حقاً، كما تعثّر أداء أسامة النجيفي ولم يفلح في تحقيق الموازنة للمكوّن السُني الذي ضاعت حقوقه وامتيازاته بين المكوِّنين الشيعي والكردي.

أما نوري المالكي، النائب الثالث الذي يجب أن يُحاكَم كمجرم حرب ارتكب مئات الفظائع والانتهاكات الخطيرة ضد المكوِّن السُني أولاً، وضد المناهضين له في ما يسمّى بالعملية السياسية التي أفرغها من مضمونها وجعلها مثل “خيال المآتة” الذي لا يُبعد الطيور عن الحقل المزروع. وبدلاً من مثول المالكي أمام القضاء العراقي أو الدولي، يُعيّنُ نائباً للرئيس في إطار الترضيات أو الحصول على الحصانة أو بعض الضمانات القانونية التي تُبعد عنه شبح المحاكمات التي يروّج لها بعض المحامين والقانونيين العراقيين الشرفاء المصرّين على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ومحاكمة المجرمين والقتلة الذين تلطخت أياديهم بدماء مئات الألوف من العراقيين الأبرياء.

لا يحبّذ غالبية العراقيين استنساخ تجربة المالكي، سيئة الصيت والسمعة، بإدارة الوزارات الأمنية بالوكالة، وحصر الصلاحيات بيد رئيس مجلس الوزراء المُثقل أساساً بصلاحيات وواجبات كثيرة قد لا يجد متسعاً من الوقت لتأديتها ما لم يستعن ببعض المستشارين الأكفاء، الذين يمتلكون خبرات عميقة تؤهلهم لتقديم الاستشارة في حقول اختصاصاتهم المتعددة، وألا يلتفت إلى تجربة المالكي في هذا المضمار لأنه عيّن عشرات المستشارين من أقربائه وأعوانه والمطبّلين لسياسته الطائفية التي سببت الفواجع والويلات المتواصلة للشعب العراقي.

يصرّ العراقيون هذه المرة على أن تُسند الوزارات الأمنية الثلاث، الدفاع والداخلية والأمن الوطني، إلى وزراء مستلقين ومهنيين لا ينتمون إلى أي من الكتل السياسية التي فشلت في أن تقدّم مرشحين يستحقون هذه المناصب السيادية الحساسة، وينجحون في تأدية الواجبات الوطنية الملقاة على عاتقهم. وعلى السيد العبادي ألا يقبل بأي مُرشح قادم من أعماق الميليشيات الحزبية التي نشأت وتعاظم نفوذها في الداخل وفي الخارج، لأن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا وطنيين لأنّ تفكيرهم محصور في الحزب والكتلة التي ينتمون إليها، كما أنهم مشحونون بالحقد الطائفي، ومسكونون بشهية الانتقام، وقد ساموا العراقيون سوء العذاب.

لاشك في أن برنامج العبادي الذي طرحه قبل تشكيل كابينته الوزارية كان رصيناً وعقلانياً وفيه من الأمنيات الرومانسية الشيء الكثير، وقد تعهّد أمام مجلس النواب بأنه سيضع حداً نهائياً للمليشيات الحزبية التي فاقت العشرين فصيلاً، وهو رقم مخيف ما يزال بعضها يفتك بأبناء المدن والقرى السُنية، وينهب ممتلكاتهم في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى. وإذا أراد حيدر العبادي النجاح في إدارة البلد، فعليه أن يجتث هذه المليشيات برمتها، وألا يزجّها في القطعات العسكرية والأمنية، لأنها سوف تعيد إنتاج مؤسسات عسكرية وأمنية طائفية تفتك بالعراقيين وتمزّق نسيجهم الوطني الذي نراهن عليه منذ سبعة آلاف سنة.

لا ندري كيف وافق العبادي على مرشحين أثبتوا فشلهم الذريع في الحكومات السابقة، وربما يكون ابراهيم الجعفري أبرزهم بوصفه أول من رسّخ الطائفية في العراق قبل المالكي. فهذا الرجل لا يصلح كوزير للخارجية تحديداً، ذلك لأنه ليس دبلوماسياً بطبعه وطبيعته، كما أن كلامه الغامض هو أقرب للألغاز والأحاجي والهلوسة المنفلتة، بينما يحتاج وزير الخارجية أن يكون دقيقاً وعقلانياً ودبلوماسياً وقادراً على الإقناع. وأكثر من ذلك فهو لا يمتلك رغبة في تأسيس علاقات طيبة مع دول الجوار العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية التي نحن أحوج إليها من أية دولة عربية أخرى على الرغم من أهمية الدول العربية جميعها.

ولا يغرنك، أيها القارئ الكريم، زيارته الأخيرة للمملكة، فلقد زّجه كيري بطائرته الأميركية قسراً وأخذه دون إرادته إلى المملكة التي لا ترحب بأية شخصية طائفية لا يحبذها العراقيون والعرب والعالم أجمع. تُرى، هل سيبدل الجعفري بزّته الطائفية التقليدية، ويرتدي حُلّة وطنية تتناسب مع حُلّة الوطن الذي لا يحتفي بالطارئين الذين يتطلعون إلى ولاية الفقيه، وكأنهم لا يشكِّلون سوى حديقة خلفية عابرة لامبراطورية فارسية أفل نجمها منذ زمن بعيد.

سنمنح العبادي ثلاثة أشهر، وهي ذات المدة الزمنية المعقولة التي منحها له المكوّن الكردي، كي نضعه على محكّ الاختبار. وإذا لم ينجز الوعود التي قطعها على نفسه، أو القسم الأكبر منها، فسيكون لكل حادث حديث.


كاتب عراقي

9