حكومة الفخفاخ على عتبة أول مواجهة مع اتحاد الشغل

المنظمة العمالية في تونس تحذر من تواصل الخطط المجحفة في حق العمال.
الجمعة 2020/06/19
الاتحاد قوة ضغط ضد الحكومة

طفت على السطح مجددا بوادر صدام بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة عمالية) بسبب برامج حكومية تسعى إلى وقف الانتدابات وتجميد الأجور عام 2021، فضلا عن إجراءات تقشفية أخرى، وهو ما اعتبرته المنظمة الشغيلة إجراءات مجحفة في حق العمال، وسط تحذير شديد من تداعيات اجتماعية وخيمة.

تونس – تعكس السياسة التقشفية التي تتوخاها حكومة إلياس الفخفاخ هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، كما تطرح صعوبات الحكومة في الالتزام بتطبيق تعهداتها العامة والقطاعية، وهو ما ينذر بملامح صراع مرتقب بين الحكومة والمنظمة المدافعة على حقوق العمال.

وأعرب الاتحاد في بيان له الأربعاء، وصفه مراقبون بـ”شديد اللهجة”، عن رفضه المطلق المساس بأجور العمّال والموظّفين، مؤكدا على وجوب التزام الحكومة بتعهّداتها بتطبيق الاتفاقيات الممضاة العامّة والقطاعية ومنها القسط الثالث من الزيادة العامّة في رواتب الوظيفة العمومية، كما حثّ الحكومة على التفاوض الجدّي من أجل إنهاء الملفّات العالقة والعمل على حلحلة العديد من المشاكل القطاعية والجهوية.

 وأوضح الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل محمد علي بوغديري في تصريح لـ”العرب” أن “الاتحاد يرفض رفضا قاطعا المساس بالأجور”، تحت حجة تداعيات حالة الطوارئ الصحية. وبدل سياسة الاقتطاع، يرى بوغديري أن الأجدى هو “مكافحة التهريب بأشكاله خاصة في ما يخص الإعفاء الجبائي واعتماد منوال تنموي جديد وتطبيق الاقتصاد التضامني”.

ولاقت مصادقة البرلمان مساء الأربعاء على مشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ترحيبا لدى الأوساط السياسية والشعبية، حيث يطرح هذا القانون مشاريع تنموية ويركز على خلق مواطن شغل جديدة للشباب. ويشير بوغديري إلى أن “هذا المقترح هو من ضمن خياراتنا البديلة كمنظمة شغيلة وهو يعكس رؤية الأطراف الاجتماعية المشاركة في الحكومة”.

ويفتح تمسك الاتحاد بموقفه من الأجور الباب على مصراعيه لأزمة جديدة مع الحكومة التي يضيق عليها الخناق من كل جهة بسبب انشغال الأحزاب بالصراعات الحزبية والضغوط الاجتماعية في ظل الدعوات لتحسين الأوضاع المعيشية أو التلويح بورقة الشارع والعودة إلى دائرة الاحتجاجات.

محمد علي بوغديري: الاتحاد يرفض رفضا قاطعا المساس بالأجور
محمد علي بوغديري: الاتحاد يرفض رفضا قاطعا المساس بالأجور

وعلى الرغم من الأزمات التي تحاصر الحكومة، يصطف الاتحاد مع الشارع ويرفض أن يدفع الأجراء والطبقات المهمشة تكلفة الإصلاحات القاسية، فيما يطالب الخبراء والمتابعون بأن تكون المنظمة الشغيلة ذات النفوذ القوي أكثر تفهما وليونة مع الحكومة وألا تكتفي بوضع العجلة في طريقها.

ويقول متابعون إن الصدام المرتقب بين الحكومة والاتحاد جزء من أزمة سياسية عميقة تستفحل في تونس، في ظل المعارك المحتدمة على أكثر من جبهة بين رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، فضلا عن مسألة الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية والتشريعية.

ويلاحظ متابعون أن توجهات النهضة في الحكم أشعلت فتيل الخلافات من جديد في ظل مساعيها للاستحواذ على السلطة وتجاوز صلاحياتها الدستورية. وكانت المواقف الدبلوماسية للحركة الإسلامية النقطة التي أفاضت الكأس أمام تصاعد الاتهامات بجر النهضة البلاد لسياسة المحاور.

ووقف اتحاد الشغل مراقبا تارة ومنددا تارة أخرى بحالة التخبط الحكومي من دون أن يخوض صداما مباشرا أو يستعمل ورقة التصعيد. وكان موقفه صارما في ما يخص السياسات الخارجية لتشديده على ضرورة النأي بتونس عن النزاعات خاصة في الملف الليبي. أما على صعيد داخلي وإن أبدى تفهمه لإجراءات الحكومة في مقاومة الوباء، إلا أنه لا يبدي مرونة في الملف الاقتصادي.

 وفيما يتوقع متابعون أن يسهم تعنت الاتحاد في هذا الملف في مزيد إرباك المشهد، يستبعد آخرون وقوع البلاد في مطبات صدام جديد بين الطرف الحكومي والنقابي.

وأشار السياسي التونسي الصحبي بن فرج لـ”العرب” إلى أن “الأزمة في تونس أعمق ولا يمكن حصرها بين طرفين فهي أزمة مجتمع بأسره”. وتعليقا على مستقبل العلاقة بين الحكومة والاتحاد في ظل حالة الشد والجذب المستمرة بينهما، يرى بن فرج أن العلاقة بينهما في طريق التأزم.

Thumbnail

وتابع “الفخفاخ خيّر الأطراف الاجتماعية بين مراجعة الاتفاقيات السابقة وإمكانية تخفيض الأجور.. كأنه وضع السكين على رقبة الاتحاد وحمله المسؤولية في حال رفضه المقترحات”. ويتوقع بن فرج أن يرفض الشارع أيضا مقترح التقليص في الأجور. ويعتبر الاتحاد لاعبا أساسيا في المشهد السياسي، حيث حرصت جل الحكومات المتعاقبة على كسب وده ودعمه ضمانا لحزام اجتماعي متين يقيها شرّ الصراعات الحزبية.

وفيما يبدو موقف الاتحاد ضبابيا من حكومة الفخفاخ، إلا أن الأخير يفضل الجلوس على طاولة المفاوضات ويراهن على الحوار لتقريب وجهات النظر المتباينة في إدارة أزمات البلاد.

وحسب محللين، سيبقى الحوار نقطة لقاء بين الطرف الحكومي والنقابي تجنبا لغضب الشارع. ويستبعد المحلل السياسي خالد عبيد أن “يصل الأمر حد المواجهة ونقطة القطيعة أو نقطة اللاعودة بين الطرفين”. وعلى رغم إقرار عبيد  بإمكانية خلق توتر لكن في “الأخير من مصلحة الجميع أن يقع تغليب صوت العقل تفاديا للمحظور”.

وفي حال تمسك الحكومة بإقرار التخفيض في الأجور، يرى عبيد أن الاتحاد لن يقبل بذلك إلا في حالة واحدة وهي أن “تقوم الحكومة بإجراءات حقيقية وملموسة تمس الفئات التي انتفعت بعد 2011 والمتهربة وأصحاب الاقتصاد الموازي على حد السواء”. ويستنتج “حين تشمل التضحية الجميع ربما يقبل الاتحاد الحديث في المسألة”.

وكان رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ لمّح في حوار بثته وسائل إعلام محلية إلى أن حكومته قد تضطر لتخفيض الأجور في حال استمرت المتاعب الاقتصادية والمالية.

وبحسب الفخفاخ، كلفت جهود مكافحة وباء كورونا الاقتصاد الوطني 4.5 مليار دينار (حوالي 1.578 مليار دولار). وتستعد الحكومة لطرح برنامج يحدد أولويات الإنعاش الاقتصادي الشهر الجاري أمام البرلمان.

وقال الفخفاخ إن الوضع الاقتصادي حرج جدا وهناك مخاطر بأن تعجز الدولة عن الإيفاء بتعهداتها المالية إذا لم تقم بالإصلاحات الضرورية.

ولم تتجاوز نسبة النمو في تونس في 2019 الواحد في المئة فيما توقع صندوق النقد الدولي انكماشا قياسيا للاقتصاد التونسي منذ تاريخ استقلالها عن فرنسا عام 1956، بنسبة 4.3 في المئة في 2020.

4