حكومة الفخفاخ والحاجة إلى العقلانية بدل الشعارات

أمام الفخفاخ فرصة جيدة لتكوين حكومة قوية وفاعلة خصوصا إذا اعتمد على الكفاءات الوطنية من خارج الولاءات الحزبية والسياسية ومنها تلك التي نافسته في نيل ثقة الرئيس.
الخميس 2020/01/23
محل توافق أغلب الأحزاب التونسية

لا أعتقد أن الكفاءة العلمية لرئيس الحكومة التونسية المكلف إلياس الفخفاخ محل شك من أي كان، كذلك الأمر بالنسبة لمواقفه التقدمية والليبرالية التي أعلنها بوضوح خلال برنامجه الذي تقدم به للانتخابات الرئاسية العام الماضي، وبالنسبة لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي ينتمي إليه ويرأس مجلسه الوطني، والذي لم يحصل رغم تاريخه ونضالاته وشعاراته على أي مقعد برلماني خلال تشريعيات 2019.

لكن يبقى السؤال الأول؛ لماذا وقع الاختيار على الفخفاخ دون غيره من الكفاءات التي تم ترشيحها للرئيس قيس سعيّد، كحكيم بن حمودة ومنجي مرزوق وفاضل عبدالكافي، وجميعهم من خبراء الاقتصاد المرموقين في الداخل والخارج، وممّن كانت لهم تجارب سابقة في الحكم؟

ويبدو أن الجواب الأقرب للمنطق هو أن الفخفاخ كان الوحيد بين هؤلاء الذي لم يطرحه حزب قلب تونس بزعامة نبيل القروي منافس الرئيس سعيّد في الدور الثاني للرئاسيات، والذي يمثّل حالة سياسية مثيرة للجدل منذ حصل على المرتبة الثانية في البرلمان بعد حركة النهضة، حيث بقدر ما تحظى أصوات ناخبيه بالترحيب في عمليات التصويت، يبدو تشريكه في الحكم مرفوضا من قبل الأحزاب ذات المرجعية الثورية التي تتّهمه بالفساد وأحيانا بالانتماء إلى المنظومة السابقة.

ومن المنتظر أن يحصل الفخفاخ الذي كان وزيرا للمالية، وللسياحة بالنيابة في حكومة الترويكا بين العامين 2011 و2013، على أغلبية مريحة في البرلمان، حيث ستصوت له أغلب الأحزاب. حركة النهضة تعتبره في العلن صديقا، وفي الخفاء واجهة مريحة للتعامل مع الغرب وخاصة فرنسا التي درس فيها ويحمل جنسيتها كجنسية ثانية بعد التونسية. والتيار الديمقراطي كان وراء ترشيحه، وحركة الشعب التي أبدت استعدادها للمشاركة في الحكومة، وحركة تحيا تونس التي تبدو قريبة من توجهاته، وكذلك كتلة الإصلاح الوطني التي لم تعترض عليه.

وفي حالة رفضه التصويت لحكومة الفخفاخ، فإن قلب تونس سيريح ويستريح بوجوده في المعارضة إلى جانب الحزب الدستوري الحر الذي يرفض، من منطلقات مبدئية، الدخول في أي تشكيل حكومي مع الإخوان، واتهم رئيس الحكومة المكلف بأنه يتحمل جزءا من المسؤولية السياسية على الاغتيالات السياسية وجرائم الإرهاب التي عرفتها البلاد خلال فترة حكم الترويكا التي كان جزءا منها، وكان حزبه شريكا فيها.

نأتي الآن إلى ما هو أهم وهو حجم التحديات التي تواجه حكومة الفخفاخ، وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها، خصوصا وأن الرجل لن يُنفّذ برنامجه الخاص، وإنما سيكون مكلفا بتنفيذ برنامج الأحزاب التي ستشترك في حكومته وتوفر لها الحزام السياسي، والتي لا تخلو من تناقضات في ما بينها وخصوصا في ما يتعلق بالنموذج الاقتصادي والتوازنات الداخلية والعلاقات الخارجية.

إن الحديث عن حكومة “ثورية” سيعني في جانب منه، الإبقاء على ذات الخطاب الاتهامي لما يصر البعض على أنها قوى الثورة المضادة في الداخل والخارج، وفي ذلك عودة إلى ما قبل فترة براغماتية التكنوقراط التي مثلتها حكومة مهدي جمعة، وسياسة التوافقات التي تزعمها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والتي انتقدتها حركة النهضة لاحقا، وأكدت أنها وافقت عليها مضطرة نتيجة انتخابات 2014 التي لم تمنحها الأغلبية لتتولى الحكم.

ولا تبدو واجهة الاستقبالات التي بادر بها الفخفاخ بعد تكليفه مريحة، خصوصا إذا قرر فعلا أن يضم إلى حكومته بعض الوجوه والأصوات الراديكالية التي مثلت خلال الفترة الماضية أبواقا لمواقف تتبناها حركة النهضة انطلاقا من انتمائها العقائدي وبنيتها التنظيمية العابرة للحدود، وتترك المجال لغير المنتمين إليها للتعبير عنها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع بعض الدول العربية أو مع الغرب وحتى مع بعض القوى الداخلية، فمجرد الدفع بتونس إلى سياسة المحاور، من منطلقات “ثورية” سيضع البلاد خارج إطار العقلانية السياسية والدبلوماسية التي بنت عليها قيم دولتها الوطنية منذ الاستقلال، كما أن الشعارات والمواقف المتشنجة قد تحقق مصالح انتخابية أو مادية شخصية، ولكنها لن تنفع البلاد في شيء بل تدفع بها إلى العزلة، فالعالم اليوم هو عالم المصالح والحسابات الدقيقة وارتباطات المنافع المشتركة والصفقات المربحة، وليس عالم الشعارات بما فيها شعارات الديمقراطية التي لم تعد تعني شيئا في الغرب في ظل اختلاط المفاهيم، إلا لمنظمات المجتمع المدني التي تستعملها في خدمة استثماراتها الدولية.

أمام الفخفاخ فرصة جيدة لتكوين حكومة قوية وفاعلة خصوصا إذا اعتمد على الكفاءات الوطنية من خارج الولاءات الحزبية والسياسية، ومنها تلك التي نافسته في نيل ثقة الرئيس، مثل الفاضل عبدالكافي وحكيم حمودة ومنجي مرزوق، ومن ينتدبهم من خارج المنظومات الفاشلة، فالبلاد تعج بالقدرات المبدعة المعروفة باستقلاليتها وغير المتورطة في الخطاب العدائي داخليا وخارجيا.

وسيكون على حركة النهضة أن تتفهم طبيعة التحديات التي تواجهها تونس، والتي لا تحتاج إلى الصراخ الثوري بقدر ما تحتاج إلى الثورة على الواقع المرير الذي تواجهه الدولة ويعاني منه المجتمع، كما على غيرها من الأحزاب الشريكة أن تتجاوز نزاعاتها الحزبية لتتبنى مشروعا واقعيا وعقلانيا للحكم يتجاوب مع رهانات الداخل وتحولات الخارج.

9