حكومة الماريونيت

الشارع الذي لم تعد تنطلي عليه الألاعيب ولا محاولات الالتفاف ليصل الأمر به إلى القبول بحكومة دمى متحركة.
السبت 2019/12/07
لا تراجع

لم يثُر اللبنانيون منذ السابع عشر من أكتوبر الماضي من أجل حكومة يصممها جبران باسيل على مقاس طموحاته وبحسب ما تمليه مصالح حليفه وحاميه المدجج، حزب الله.

حكومة الماريونيت هذه سيسقطها الشارع إن قُدّرَ لها أن تبصر النور. فحكومة سعد الحريري المستقيلة التي ضمت صقور القوى المسيطرة سقطت في الشارع. الشارع الذي لم تعد تنطلي عليه الألاعيب ولا محاولات الالتفاف ليصل الأمر به إلى القبول بحكومة دمى متحركة.

الشارع، الذي أسقط شرعية نظام القوى التي تمسك بالمؤسسات الدستورية، وبناء على دستور الدولة الذي يقر بوضوح أن الشعب هو مصدر السلطات كافة، قام يَسترد توكيله وقالها بوضوح: نريد حكومة مصغرة من كفاءات معتبرة ونظيفة ومن خارج القوى المسؤولة عن انهيار البلاد، حكومة بصلاحيات تشريعية تضع قانون استقلالية القضاء في أولى أولوياتها ليقوم القضاء بدوره حرا مستقلا باستعادة أموالنا المنهوبة لتعود الحياة إلى اقتصاد البلاد وماليتها العامة.

الشارع يطالب بحكومة قادرة على استصدار قانون جديد للانتخابات يؤمّن عدالة التمثيل من خلال فرض المساواة بين المواطنين أمام صندوق الاقتراع (المادة 7 من الدستور: كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم). حكومة تهيّئ الظروف الملائمة لانتخابات نيابية مبكرة تعكس إرادة اللبنانيين.

رفضُ حزب الله الرضوخ لإرادة اللبنانيين جاء لينقذ القوى السلطوية الأخرى. فكانت المماطلة المديدة في الإجراءات الدستورية اللازمة لتكليف رئيس جديد للحكومة لتعطي مساحة كافية من الوقت للقوى المسيطرة ليس فقط للالتفاف على حق اللبنانيين في مطالباتهم، بل أيضا للالتفاف على الدستور من خلال تأليف حكومة على مثال ونموذج الحكومة المستقيلة، ولكن من شخصيات تلعب دور الدمى التي تحركها أيادي القوى المسيطرة عليها، وتمّ ذلك في الغرف المغلقة ليصار بعدها إلى تكليف شخصية ما، من مثل المقاول سمير الخطيب، ليكون “الطربوش” الذي يعطي للإخراج شكله الدستوري، وليسيرَ باللعبة حتى منتهاها من خلال تأليف شكلي لحكومة مسبقة الصنع.

وهنا لا بد من التأكيد على بيان رؤساء الحكومة السابقين من حيث الموقف من تنفيذ أحكام الدستور اللبناني لتشكيل الحكومات في لبنان، من حيث الجوهر وليس من حيث الشكل فقط.

تقول الفقرة الثانية من المادة 53 من الدستور اللبناني بحسب تعديلات سنة 1990 “یسمى رئيس الجمهورية رئیس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادا إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها”.

وهذا يؤكد أن على رئيس الجمهورية إجراء الاستشارات النيابية “الملزمة” فور قبوله استقالة الحكومة، ولو أن الدستور لم يحدد مهلة لذلك، غير أن قبول استقالة الحكومة يوجب حكما البدء بالاستشارات، إذ لا يجوز لمن أقسم على الدستور أن يماطل في تطبيق أحكامه. وهي استشارات ملزمة بنتائجها، أي أن تسمية رئيس الحكومة العتيد يجب أن تستند إلى نتائج تلك الاستشارات وليس لأي أمر آخر.

حكومة أمام مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة
حكومة أمام مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة

وبعد تكليفه، يقوم رئيس الحكومة المكلف بإجراء استشارات نيابية غير ملزمة، يقوم بعدها بتسمية وزراء حكومته وتوزيع المهام الوزارية عليهم. وهذه استشارات غير ملزمة لرئيس الحكومة، أي إنها لا تعدو سوى عملية استمزاج لآراء الكتل النيابية والنواب لتسهيل نيل الثقة منهم بعد تشكيل الحكومة وليس قبل ذلك.

تأليف الحكومة هو مهمة حصرية يؤديها الرئيس المكلف ولا ينبغي أن يشاركه فيها أحد لأنه كرئيس لهذه الحكومة عليه أن يختار الفريق الوزاري الذي يسهل عليه مهمته في الحكم. وذلك بناء على المادة 64 من الدستور التي تورد في مقدمتها “رئيس مجلس الوزراء هو رئیس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة التي يصعها مجلس الوزراء”.

وحتى لو جاءت التشكيلة الحكومية بخلاف ما ترتجيه الكتل النيابية، فإن هذه الحكومة سوف تمثل أمام البرلمان لنيل الثقة بناء على برنامجها الذي يتضمنه بيانها الوزاري، حيث للنواب حرية منحها الثقة أو حجبها عنها. كل ذلك بناء على الفقرة 2 من المادة 64 من الدستور التي تقول “يجري (الرئيس المكلف) الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. وعلى الحكومة أن تتقدم إلى مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكیلها. ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقیلة إلا بالمعنى الصيق لتصريف الأعمال”.

إن ما جرى خلال الأسابيع الخمسة الماضية على مستوى تشكيل الحكومة الجديدة ممّا قيل عنه إنه “مشاورات” عقدها رئيس الجمهورية مع القوى السياسية المسيطرة على المشهد السياسي، حزب الله وحركة أمل والتيار العوني ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري. هذه المشاورات لم تكن سوى محاولات من قبل حزب الله وحليفه جبران باسيل للضغط على سعد الحريري ليكون بمثابة ذلك الطربوش الذي يريدان إلباسه لحكومة الماريونيت التي أعداها في غرفهما المظلمة، وهذا بعيد كل البعد، بل ويتناقض تماما مع المسار الدستوري المطلوب لتأليف الحكومات في لبنان.

غير أن المسألة مع اللبنانيين هي أكبر من ذلك بكثير. اللبنانيون وصلت بهم المعاناة إلى درجة أن يقدم عدد منهم في الأيام الأخيرة على الانتحار نتيجة الإذلال الذي وصلوا إليه في تأمين لقمة عيش أبنائهم في ظل بطالة متفاقمة ومستشرية نتيجة انهيار المؤسسات الاقتصادية في كل المناطق وفي جميع القطاعات ونتيجة احتجاز رواتب الأجراء والموظفين في المصارف التي باتت تقسط لهم رواتبهم الهزيلة على الأيام والأسابيع فباتوا غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم ولا على تأمين أدنى متطلبات العيش أو مصاريف الطبابة والاستشفاء أو تعليم أبنائهم.

ما يجري على المستوى السياسي منفصل تماما عمّا يجري على الأرض. لا بأس، فحزب الله، بحسب نصرالله ذاته، لن يفقد القدرة على دفع رواتب عسكره وجيشه الإلكتروني الذي يتغنى شامتا بمن دفعته أحواله إلى الانتحار بمشهدية أقل ما يقال فيها إنها تفتقد إلى أيّ أخلاق إنسانية، وتذكرنا بما صدر عن هؤلاء من أشكال الشماتة بحق من قتلهم حزب الله جوعا في مضايا وسواها من المدن السورية التي أطبق عليها الحصار.

8