حكومة المهدي جمعة بين التأييد والاستياء بعد 100 يوم من عملها

الثلاثاء 2014/05/20
هل حققت حكومة جمعة المأمول

تونس- تولت حكومة مهدي جمعة المؤقتة تسيير شؤون الدولة التونسية في أعقاب حوار وطني دام أشهرا عديدة بين الفرقاء السياسيين التونسيين برعاية أهم أربع مؤسسات في المجتمع المدني والنقابات التونسية، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد الوطني للصناعة والتجارة (منظمة الأعراف). وقد أفرز الحراك الشعبي الضاغط بعد اغتيال النائب بالمجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي، ثاني ضحية بعد اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد، توجها لدى كل المؤسسات والأحزاب والمنظمات التونسية نحو إسقاط حكومة “الترويكا” برئاسة حركة النهضة الإسلامية وتعويضها بأخرى تكون محل توافق.

وبعد مرور 100 يوم على أداء هذه الحكومة التي تعهدت بإعادة فرض الأمن وتحسين مناخ الاستثمار واستقرار أسعار المعيشة والتحضير للانتخابات، أخذ السياسيون والمراقبون في تقييم أداء الحكومة المؤقتة بعد مرور هذه المدة. إذ يؤكد فريق من الأحزاب أن أداء حكومة التكنوقراط مرضي وأنها نجحت في المهمات الموكولة لها إلى حد الآن، ويمثل هذا الرأي، الناطق الرسمي باسم حزب التكتل من أجل العمل والحريات، محمد بنور.

وفي المقابل يقول فريق آخر بأن حكومة مهدي جمعة “زادت الطين بلة” ولم يكن أداؤها أفضل من سابقاتها في “الترويكا” التي تزعمتها النهضة الإسلامية، ويمثل هذا الموقف الجيلاني الهمامي، القيادي بالجبهة الشعبية.

بنور يمنح حكومة جمعة "شهادة تميز"


حكومة ناجحة ومتميزة

منح الناطق الرسمي لحزب التكتل من أجل العمل والحريات، محمد بنور، حكومة مهدي جمعة “شهادة تميّز” حسب تصريحه لإحدى الإذاعات الخاصة، وأكد أن حزبه متحمس للأداء “الجيّد” الذي قدمه فريق المهدي جمعة عقب حوار طني دام أشهرا طويلة برعاية الرباعي الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وقد برر بنور ما ذهب إليه من استنتاجات بأن رئيس الحكومة المؤقتة مهدي جمعة، أمسك فعلا بزمام الأمور في وقت تمر فيه البلاد بحالة صعبة وظرف استثنائي “ربما لو كانت حكومة سياسية لم تتمكن من تحقيق التقدم الذي حققته حكومة التكنوقراط”.

وأضاف محمد بنور، أن حكومة مهدي جمعة لا ينطبق عليها منطق الـ”100 يوم” المعتمد عادة لدى الدول الغربية بعد انتخاب حكومة سياسية عقب عملية دستورية سليمة، نظرا “لأن هذه الحكومة جاءت بعد توافقات وطنية واسعة شملت مختلف الأطراف السياسية، ويجب على هذه الحكومة أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية”، داعيا في نفس السياق الأحزاب السياسية إلى مساعدتها على إنجاح المهمة التي جاءت من أجلها وعلى رأسها إنجاح المسار الاقتصادي وتهيئة مناخ سليم وآمن لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في المدة القادمة.

وفيما يتعلق بالانتظارات، قال بنور، إنه على رئيس الحكومة المؤقتة مهدي جمعة، أن يعمل أولا على إصلاح الوضع الاقتصادي وتوفير كل الظروف لإنجاح الانتخابات القادمة ووضع القطار على السكة من ذلك مزيد تكثيف الجهود الأمنية والعمل على إطالة مدة الاستقرار وجلب الاستثمارات “أو على الأقل الحفاظ على المستوى الذي عليه مستوى الاستثمار الأجنبي الآن، لأن تونس بحاجة فعلا إلى موارد تمكنها من الانتقال بسلاسة إلى مرحلة الاستقرار التام”.

وأكد على أن حزب التكتل يساند وبقوة، مواصلة بعض الكفاءات من حكومة مهدي جمعة العمل في الحكومة القادمة أي بعد إجراء الانتخابات “لأنهم ثروة وطنية ولا يجب التفويت فيهم”، مؤكدا على أن مثل هذه الكفاءات هي ثمار مسار طويل من التأهيل العلمي وكسب الخبرة والذكاء التونسي.

وأضاف أن حكومة جمعة تمكنت من معالجة الملف الأمني وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب، حيث عاد الوضع إلى الاستقرار نسبيا، بالإضافة إلى ما حققته من نتائج إيجابية في الجانب السياحي الذي يسير نحو الانتعاش.

ولكن بالتوازي لم تتمكن الحكومة من حل مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي بقيت عالقة إلى حد الآن مثل مراجعة التعيينات التي تشهد بطءا شديدا في معالجتها.

ودعا محمد بنور مهدي جمعة وحكومته إلى التسريع في مراجعة التعيينات والتركيز حاليا على معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية وخاصة غلاء المعيشة ومشكل التضخم الذي ساهم في عجز الميزان التجاري للبلاد. وأضاف، أن رئيس الحكومة والأعضاء يقومون بواجبهم وقدموا مؤشرات تطمئن الشعب التونسي “ولا يوجد خيار ثان الآن سوى بمساندتهم”.

وذكر الناطق باسم التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات محمد بنور أن حكومة مهدي جمعة دخلت الحكم وفي رصيدها تأييد التونسيين وأطراف الحوار الوطني الذي دعمها وشدّد على ضرورة التزامها بخارطة الطريق وبعد مرور 100 يوم تستفيد الحكومة من هذا الرصيد وقامت بتدعيمه بقرارات وإنجازات تحسنه، “ومن بين الخطوات الهامة التي قام بها مهدي جمعة هو سعيه إلى تطوير التعاون الاقتصادي بين تونس وبعض الدول الصديقة ونجاحه في الحصول على مساعدات هامة”، وهو ما أكده رئيس الحكومة مهدي جمعة نفسه في أكثر من مناسبة، خاصة خلال الخطاب الأول الذي تقلد فيه منصب رئيس الحكومة أمام المجلس التأسيسي والذي أعلن فيه التوجهات العامة لحكومته في توسيع دائرة التعاون مع عديد الدول والبحث عن فرص استثمار وجلب المساعدات وضرورة مكافحة الإرهاب والعمل على استتباب الأمن والتقليص من التوتر.

الجيلاني: الحكومة دون المطلوب

دون المطلوب وفاشلة


أما فيما يتعلق بموقف الجبهة الشعبية فيقول، الجيلاني الهمامي، القيادي بالجبهة إن حكومة مهدي جمعة لم تكن في مستوى الانتظارات المعلقة عليها، ولم تحقق الأهداف التي تم الاتفاق عليها داخل الحوار الوطني وأولها تقديم إشارات جدية للمضي في تطبيق بنود خارطة الطريق. ولعل من أهم تلك البنود التي أخذت وقتا طويلا واختلف الاتفاق حولها، مراجعة التعيينات وتحييد المساجد وموضوع الجوامع التي تسيطر عليها جماعات متشددة ومتطرفة، ومعالجة ملف الاغتيالات والمال السياسي الفاسد الذي طغى على العملية السياسية في تونس، بطرق جدية.

ويضيف الجيلاني الهمامي، أن أداء الحكومة الحالية لا يعكس طبيعتها “التكنوقراطية” بل فيها من المسارات السياسية ما يوضح حقيقة انتماءها، قائلا، “إن ما يحدث في حكومة جمعة كارثي، فهذه الحكومة نجحت فقط في التسويق لنفسها إعلاميا أمام الشعب، في حين أنها لم تتقدم بالوضع الاقتصادي والاجتماعي ولم تحقق أي شيء يذكر وفق ما تضمنته بنود خارطة الطريق ولم يتم تنفيذ أية نقطة منها”، على حد تعبيره.

وأشار الجيلاني الهمامي، إلى أن حكومة مهدي جمعة، “لم تعط وعودا بل أعطت تهديدات”، حين أعلنت منذ توليها السلطة عن رفع الدعم وغلق باب الانتدابات والتشغيل والزيادة في الأسعار، محملة المسؤولية لكل من يريد أن يتحرك في اتجاه الدفاع عن مصالحه أو طبقته الفقيرة أو مطالب قطاعية أو اضرابات. وقد جاءت بشعار هيبة الدولة كي تطمس الحراك الاجتماعي الحقيقي في البلاد، “وهي الآن بصدد التضييق على بعض الشباب الذي قاد الحراك الثوري في بعض المناطق الداخلية في البلاد، بإعادة تلفيق تهم كيدية لهم تعود إلى أيام الحراك الثوري الأول في جانفي 2011”.

أما بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي وكيفية تعاطي الحكومة المؤقتة معه، فقد أكد الجيلاني الهمامي، القيادي بالجبهة الشعبية، (المكونة أساسا من يسار قومي وماركسي) أن الجبهة الشعبية وحسب تقييمها لم تشهد تطورا في مستوى تحسين الأوضاع المادية بشكل عام، وأن الوضع الاقتصادي بقي على حاله، “بل بالعكس فإن حكومة مهدي جمعة لا تنوي القيام بأية اجراءات للخروج من الوضعية الحرجة ويبدو أنها تسير نحو التعدي على لقمة عيش المواطن خاصة بعد أن أعلنت بصورة صريحة عن نيتها إيقاف الانتدابات ورفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية”.

وأفاد محدثنا بأن حكومة جمعة تسير في الخيار نفسه الذي سارت عليه حكومتي الترويكا (بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض)، وذلك بمزيد إثقال كاهل الدولة والديون التي بلغت 50 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

أما فيما يتعلق بالتخفيض في أجور الوزراء فقال الهمامي، إنها اجراءات شكلية وجزئية وعموما فإن حصيلة عمل حكومة مهدي جمعة، تعتبر سلبية.

وبالنسبة إلى الانتظارات، قال القيادي بالجبهة الشعبية، إنه على ضوء المؤشرات الحالية، يبدو أن حكومة جمعة مصّرة على أن “تتعنت وتقوم بالأعمال التي تقررها لوحدها” وتعتمد الاجتهاد في إيجاد طرق ملتوية لتمرير بعض الأمور غير المقبولة. وأكد في تصريحه، أن “الجبهة لا تنتظر من جمعة شيئا إيجابيا”.

وعاد الجيلاني الهمامي ليشدّد على ضرورة مراجعة عديد التعيينات وأهمية تغيير وزير الداخلية لطفي بن جدو الذي قال إنه يمثّل تواصلا للمرحلة السابقة التي كثرت فيها الأخطاء وكُبّلت خلالها أيادي المؤسسة الأمنية في التعامل مع القضايا الإرهابية وسجلت فيها اغتيالات سياسية كانت تفرض على القائمين على المؤسسة الأمنية مثل أيّة دولة ديمقراطية، تقديم استقالاتهم بسبب ما اعتبره تقصيرا في توفير الحماية الأمنية لقيادات سياسية، مبيّنا أن المؤسسة الأمنية كانت تضمّ كفاءات قادرة على الحدّ بفعالية من خطورة الواقع الإرهابي. وبذلك فإنه وبعد مرور 100 يوم من عمل حكومة المهدي جمعة، قد فشلت على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والخارجي والأمني.

حكومة جمعة في تونس بين وطأة المؤقت واستحالة تغيير المنوال


عبد الجليل معالي

حين “اندلع” السجال التونسي حول تقييم حكومة رئيس الوزراء التونسي الجديد بعد انقضاء أكثر من مئة يوم من عمرها، تذكرتُ مثلا فرنسيا مفاده عدم جواز “انتظار الساعة الثانية في منتصف النهار”. مفيد أيضا الإقرار بأن سجالا متعلقا بتقييم حكومة ما هو ظاهرة صحية بالأساس، بالنظر إلى غرابة أو ندرة هذه العادة عن بيئتنا السياسية العربية، حيث لم تألف شعوبنا تقييم حكوماتها، وإنما كانت الحكومات هي التي تقيّم شعوبها بعد عشريات من الحكم.

بين الحكمة المستخرجة من المثل الفرنسي، وبين خصوبة جدل التقييم، تستحيل مسألة استنطاق أداء حكومة المهدي جمعة، أمرا عسيرا وعصيّا على الإنجاز خاصة في ظلّ ضبابية المعايير، ولكن يجدرُ استدراج الثوابت الكبرى إلى حقل السياسات المتغير، وإلى تقييم أداء حكومة طرحت على نفسها، منذ الولادة، مهمات محددة. وهنا مربط الفرس الأول.

جاءت الحكومة تلك وكانت تونس تواجه مطبّات كبرى تتطلب كلها العلاج العاجل؛ وضع اقتصادي متردّ، وإرهاب بمسميات دينية يضرب هنا وهناك، واستحقاقات سياسية مؤجلة أو متأخرة، فضلا عن مسارات ملحة- بمنطق المرحلة الجديدة- لم تبدأ ولا شيء كان يوحي بقرب انطلاقها (الحديث هنا عن عدالة انتقالية موؤودة، واسترداد أموال الدولة والمجموعة الوطنية، وكذا إنشاء هيئات وفعاليات مؤسساتية ضرورية).

تصدت حكومة المهدي جمعة، المستخرجة من رحم حوار وطني عسير أفرزها بعد عملية قيصرية، إلى كل هذه المهمات وغيرها، حيث نضيف مجابهة اليومي والمستجد من الأعباء.

الثابت عند كل تقييم أن ننطلق من المهمات التي طرحتها الحكومة على نفسها أولا، والأسلوب والطريقة التي حددتها لإنجاز تلك المهمات. والسؤال هنا؛ هل أن المهام التي طرحتها حكومة جمعة على نفسها تتناسب مع “وضع” حكومة مؤقتة قد لا يتجاوز عمرها الافتراضي بضعة أشهر أو عام على أقصى تقدير؟ وهل طرحت الحكومة أي تغيير في معالجة المشاكل العميقة مقارنة مع الحكومات السابقة؟ السؤال الأول يودي بالحكومة في ورطة “الزمن” أما الثاني فيلقي بها في مطب “المنوال”.

يصعب على أيّة حكومة أن تحقق نجاعتها القصوى أو تقترب من تحقيق أهدافها في ظل وعيها المسبق بأنها أمام مهلة محددة ومحدودة، هذا قد يشفع لحكومة جمعة التي كان من المفترض ألا تطرح على نفسها مهاما طويلة أو متوسطة المدى، بل تتصدى لإدارة المهام العاجلة بوصفها “حكومة تصريف أعمال”.

أما مطب “المنوال” فيقوم على أن أية حكومة مهما كانت شرعيتها وكفاءتها وطاقم الكفاءات (التكنوقراط) الذي تدجج به، لن تنجح في تغيير الوضع الاقتصادي والتنموي في تونس طالما اعتمدت منوال التنمية ذاته، وهو المنوال الذي جُرّب طيلة عقود طويلة وأثبت عمقه وفشله وقصوره، تبعا للقاعدة القائلة بأنه لا يجوز “تكرار نفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة”.

بناء على كل ما تقدم، وبالنظر لـ”قصر عمر الحكومة” والوضع السياسي المأزوم والاقتصادي المتردّي والاجتماعي المشحون، فإن حكومة جمعة لا يمكن لها أن تحقق الكثير للتونسيين، وكان يجدر بها (مثلما أسلفنا القول) أن تطرح على نفسها مهام تقدر على إنجازها وعيا بأنها مؤقتة جدا. وربما تمثل هرولة الحكومة نحو الاقتراض والتداين تعبيرا عن حجم الهوة بين صعوبة الوضع ومحدودية الامكانيات والآفاق. لذلك تبدو حكومة تونس “المؤقتة” كمن ينتظر الساعة الثانية في منتصف النهار، ولكن ما يحسب لها أنها سليلة حوار وطني عسير، وما يشفع لها أنها ورثت وضعا يقترب كثيرا من الخراب.

12