حكومة الوفاق الوطني الليبية تبدأ في حصد التأييد الداخلي

يخيم هدوء نسبي على دخول حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج إلى الأراضي الليبية، مع دعم أولي لعدد من المراكز الرسمية لهذا التواجد. ورغم الدعم الذي تحظى به هذه الحكومة، والمهام العريضة الموكولة إليها، إلا أن الواقع الميداني الليبي وتعدد الفاعلين الإقليميين، يجعلان المهمة صعبة، وينذران بالعديد من السيناريوهات لا يمكن لأحد التكهن بها على وجه الدقة.
السبت 2016/04/02
حرارة يحكمها التوجس

طرابلس – حظيت حكومة الوفاق الوطني الليبية بدعم داخلي مهم مع إعلان بلديات عشر مدن ساحلية غربا تأييدها، أملا في أن تتمكن هذه الحكومة من إنهاء النزاع المسلح ووقف التدهور الاقتصادي.

ويشكل خروج المدن الممتدة من طرابلس وحتى الحدود التونسية عن سلطة الحكومة غير المعترف بها دوليا، ضربة لهذه السلطة التي تفقد بذلك السيطرة على الجزء الأكبر من الغرب الليبي، في وقت بدأت تشهد فيه طرابلس تحركات مدنية مناهضة لها.

كما يمثل إعلان حرس المنشآت النفطية عدم السماح بالتصدير إلا لصالح حكومة الوفاق الوطني انتكاسة للسلطات الموازية في شرق ليبيا المدعومة من البرلمان المعترف به والتي كانت تتطلع إلى وضع يدها على هذه الموانئ لتحصيل إيراداتها.

ورغم أن رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وستة أعضاء آخرين لم يغادروا قاعدة طرابلس البحرية منذ وصولهم إليها، إلا أنهم نجحوا في غضون يومين من اللقاءات مع شخصيات سياسية ومالية في إطلاق عملهم بشكل رسمي متجنبين الصدام المباشر مع السلطة الحاكمة في المدينة.

وتحظى حكومة الوفاق بدعم مجموعة مسلحة رئيسية في المدينة يطلق عليها اسم “النواصي” وهي تتبع وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، وتتمتع بقدرة تسليحية عالية. ويشير هذا الدعم إلى انقسام الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في طرابلس.

ويعد السراج وحكومته الليبيين بتوحيد البلاد بعد أكثر من عام ونصف العام من المعارك التي قتل فيها الآلاف، وببناء جيش وطني يضع حدا لنفوذ الجماعات المسلحة، وبإصلاح الوضع الاقتصادي.

موانئ البريقة والزويتينة وراس لانوف ستشرع في التصدير مباشرة لصالح حكومة الوفاق، ولا تصدير إلا لصالح هذه الحكومة

إنهاء الصراعات

وفي بيان مشترك، دعا رؤساء وممثلو البلديات العشر (زليطن، ورقدالين، والجميل، وزوارة، والعجيلات، وصبراتة، وصرمان، والزاوية الغرب، والزاوية، والزاوية الجنوب) عقب اجتماع في صبراتة (70 كلم غرب طرابلس)، مساء الخميس، الليبيين إلى “الوقوف صفا واحدا لدعم حكومة الوفاق الوطني”. ودعوا الحكومة إلى العمل على “السعي لإنهاء الصراعات المسلحة وبشكل عاجل بكامل التراب الليبي، وعلى إصلاح الوضع الاقتصادي”.

وقبيل ذلك، تظاهر نحو 300 شخص في ساحة الشهداء في طرابلس تأييدا لحكومة الوفاق، في أول تأييد علني في العاصمة الليبية لهذه الحكومة. وهتف المتجمعون وهم رجال ونساء وأطفال “ارحل ارحل يا الغويل”، في إشارة إلى خليفة الغويل رئيس حكومة طرابلس و”الشعب يريد حكومة الوفاق”، ورفعوا أعلاما بيضاء وأعلاما ليبية.

وقال مسؤول في جهاز حرس المنشآت النفطية، في شرق ليبيا، ” لقد تم وضع كافة الموانئ الواقعة في نطاق سيطرتنا تحت سلطة حكومة الوفاق”. وأضاف المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن اسمه إن موانئ البريقة والزويتينة وراس لانوف والتي تبلغ قدرتها التصديرية نحو 500 ألف برميل ستشرع في التصدير مباشرة لصالح حكومة الوفاق، مضيفا “لن نصدر إلا لصالح هذه الحكومة”.

ولم تجر إلى حد الآن ردود فعل عسكرية من جانب حكومة طرابلس، بل أعلنت أنها لن تتشبث بالسلطة لكنها ستعارض بشكل سلمي حكومة الوحدة المدعومة من الأمم المتحد.

مظاهرة مؤيدة للسراج

ولكن وبمجرد تأمل خارطة النفوذ الإقليمي في ليبيا المسنودة جميعها بأجنحة عسكرية في حالة تأهب واستعداد للتفاعل مع أي طارئ وأي إشارة تصدر عن داعميهم. علما فإن أغلبهم يرفض هذه التسوية الأممية، وهو ما ينذر بإمكانية أن تتجه هذه الجماعات إلى تفعيل أدواتها العسكرية بهدف عرقلة نجاح هذه الحكومة.

وذكرت تقارير أن أعضاء المجلس النيابي في طبرق يتعرضون إلى ضغوطات كبيرة من طرف قوات خليفة حفتر المدعومة من عدة جبهات إقليمية لمنعهم من الموافقة على حكومة الوفاق. فيما تم تسجيل حملات عسكرية استهدفت مناطق خاضعة لسلطة حكومة طرابلس، تزامنت مع هجمات لتنظيم “الدولة الإسلامية” على قوات نفس الحكومة، في نفس الفترة التي بدأ الحديث جديا عن تنصيب حكومة السراج. هذا دون التغاضي عن القوات العسكرية التي تتحكم بمناطق الغرب الليبي، والتي يتهمها البعض بأنها المسؤولة عن التوتر الأمني الذي رافق دخول السراج إلى طرابلس.

كما أن تشرذم ليبيا ووقوع أجزاء منها تحت سيطرة المجموعات التكفيرية والمتطرفة بمختلف مرجعياتها، والميليشيات المسلحة التي نجحت في بسط نفوذها بقوة الرصاص وتسيطر على مساحات هامة وغير مستعدة للتراجع عن مصالحها، يجعل من السراج أمام مهمة صعبة للغاية. وهو ما يعني أنه من السابق لأوانه الحديث بأن الحكومة المدعومة أمميا ستباشر مهامها وسط أجواء آمنة، وأن الأطراف التي بات بعضها يتحكم في الكثير من مقاليد الأمور داخل هذا البلد بقوة السلاح، ولو في الخفاء، ستعلن استسلامها وسترحب بهذا المشهد الجديد في ليبيا.

لكن في المقابل يمكن أن تستفيد حكومة الوفاق الليبية من عدة معطيات متوفرة اليوم وتصب في صالحها، أهمها الإيمان الشعبي على المستوى الليبي بأن البلاد باتت في حاجة ماسة إلى الخروج من مستنقع الفوضى والاقتتال الأهلي، وإدراكهم أن الأمر يتطلب حضور حكومة تحظى بالتأييد اللازم وتلتزم بتنفيذها لهذا الرهان، وهو ما يحاول السراج الترويج له. من جهة أخرى ستستفيد حكومة السراج من الدعم الدولي الذي قد يؤمن لها الدعم العسكري، وإضعاف خصومها بأساليب مختلفة قد تتجاوز مسألة المواجهة المسلحة، فضلا عن إمكانية نجاحها في إقناع الفاعلين الإقليميين داخل ليبيا، والقوى العسكرية التابعة لهم بقبول هذا الواقع الجديد والتعايش معه وعدم تعطيله.

عقوبات أوروبية

كانت حكومة الوفاق الوطني بدأت، الخميس الماضي، محاولة تثبيت سلطتها من مقرها في قاعدة طرابلس البحرية، حيث عقدت سلسلة من الاجتماعات مع عمداء بلديات وشخصيات سياسية أخرى. وقال المكتب الإعلامي للسراج على صفحته في فيسبوك أن أعضاء حكومة الوفاق التقوا محافظ بنك ليبيا المركزي الصديق الكبير وبحثوا معه “مشكلة توفير السيولة وتأمين البنوك”.

حكومة الوفاق يمكن أن تستفيد من عدة معطيات، أهمها الإيمان الشعبي بأن البلاد باتت في حاجة ماسة إلى الخروج من مستنقع الفوضى والاقتتال الأهلي

وتشهد طرابلس منذ أسابيع أزمة سيولة في بنوكها تدفع المئات من المواطنين إلى الاصطفاف منذ الصباح الباكر أمام أبوابها سعيا لتحصيل مرتباتهم أو سحب بعض أموالهم من حساباتهم فيها. ويتزامن ذلك مع غلاء المعيشة في ليبيا الغنية بالنفط، بفعل الاضطرابات السياسية والخضات الأمنية وضعف القدرة على الاستيراد وصعوبة تحصيل العملة الصعبة لشراء المواد الغذائية وغيرها من الخارج.

وقال حسين الدوادي رئيس بلدية صبراتة لفرانس برس “الوضع سيء والحياة أصبحت أكثر غلاء ولا توجد سيولة”.

وأضاف “نعتقد أنه حان الوقت لدعم هذه الحكومة”، معتبرا أن حكومة الوفاق “لن تأت بعصا سحرية، لكننا واثقون أنها ستبدأ بمعالجة المشاكل الواحدة تلو الأخرى”.

وولدت حكومة الوفاق الوطني بموجب اتفاق سلام موقع في ديسمبر برعاية الأمم المتحدة. وينص الاتفاق على أن عمل حكومة الوفاق يبدأ مع نيلها ثقة البرلمان المعترف به، لكن المجلس الرئاسي أعلن في 12 مارس انطلاق أعمالها استنادا إلى بيان تأييد وقعه مئة نائب من أصل 198 بعد فشلها في حيازة الثقة تحت قبة البرلمان.

وتطعن حكومة طرابلس بشرعية حكومة الوفاق الوطني، وكذلك الحكومة الموازية في شرق ليبيا والمدعومة من البرلمان المعترف به الذي لم يبد أي رد فعل على دخول حكومة والوفاق إلى طرابلس. ودفع المجتمع الدولي في اتجاه تشكيل هذه الحكومة ووعد بدعمها ماليا وعسكريا وعلق عليها آمالا للوقوف في وجه تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا والعمل على مكافحة الهجرة غير الشرعية بين السواحل الليبية والأوروبية.

ولكن يبدو أن التدخل الأوروبي الداعم للسراج قد انطلق بالتوازي مع الخطوات التي يقوم بها الأخير من أجل تثبيت أقدامه دون اللجوء إلى المواجهات المسلحة مع أي طرف. حيث فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أبرز ثلاثة مسؤولين ليبيين في طبرق وطرابلس بتعلة عرقلة عمل حكومة السراج.

ويبدو من خلال الأسماء المستهدفة، والتي شملت رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، ورئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبوسهمين ورئيس حكومة طرابلس خليفة الغويل، أن الاتحاد الأوروبي أرسل إشارات عملية أولية قابلة للتصعيد، حتى تكون بمثابة الرسائل الموجهة لكل المعترضين على حكومة السراج. وتقضي العقوبات بـحظر السفر إلى الاتحاد الأوروبي وتجميد أصول داخل الاتحاد.

7