حكومة بغداد محرجة من اتفاق لتثبيت الوجود العسكري الأميركي في العراق

تزايد الحضور العسكري الأميركي بالعراق لا يعدو كونه جزءا من صراع النفوذ الذي تخوضه الولايات المتحدة بشكل خاص ضد إيران، ما يجعل حكومة بغداد محرجة بين التسليم بذلك الحضور الذي بات في حكم المفروض، وبين تجنّب إثارة غضب طهران التي تمتلك أذرعا طويلة ساهرة على حراسة مصالحها داخل الساحة العراقية.
السبت 2017/05/06
إياب بعد غياب

بغداد - تبرّأت الحكومة العراقية من المشاركة في مفاوضات لإبقاء قوّات أميركية على الأراضي العراقية بعد انتهاء الحرب الدائرة حاليا ضدّ تنظيم داعش، في وقت تتواتر فيه الأنباء وتتزايد الدلائل على زيادة الولايات المتحدة لحضورها العسكري في البلد الذي انسحبت منه سنة 2011، وذلك تنفيذا لرؤية الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي يعتبر أنّ ذلك الانسحاب كان خطأ تاريخيا يستوجب التدارك والتصحيح.

وذهبت تقارير غربية حدّ تأكيد مشاركة قوات أميركية في المعارك البرية ضدّ تنظيم داعش في مدينة الموصل بشمال العراق. ونشرت صحيفة ميليتاري تايمز، في وقت سابق، ما قالت إنها صور لعناصر من قوات أميركية خاصة مموهة بأزياء شبيهة بأزياء الشرطة العراقية تقاتل في المدينة.

ويحرج الكشف عن تزايد الحضور العسكري الأميركي بالعراق، حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي كون ذلك الحضور جزءا من صراع النفوذ الذي تخوضه الولايات المتحدة بشكل خاص ضدّ إيران التي تحظى بولاء شخصيات وقوى سياسية عراقية قادرة على الضغط بقوّة على الحكومة ورئيسها.

ويعرف الساسة العراقيون الشيعة الموالون لإيران، أنّ تحجيم نفوذ الأخيرة ببلادهم على رأس أهداف النشاط السياسي والعسكري للولايات المتحدة بالعراق، ويرفضون بناء على ذلك زيادة الدور الأميركي في الحرب ضدّ داعش على الأراضي العراقية.

ونفت الحكومة العراقية، الجمعة، ما تردد عن وجود مباحثات لإبقاء قوات أميركية في البلاد، بعد القضاء على تنظيم داعش، مؤكدة عدم وجود أي قوات أجنبية مقاتلة في البلد.

وورد ببيان للدائرة الإعلامية لحكومة العبادي القول “تداولت وكالات أنباء دولية ومحلية مؤخرا خبرا مفاده أن العراق قد اتفق مع الولايات المتحدة على بقاء قوات أميركية في العراق للفترة التي تلي تحقيق النصر العسكري على داعش، ونحن نؤكد أن لا وجود لقوات مقاتلة مِن أي دولة على الأراضي العراقية حتى يتم البحث في بقائها من عدمه بل يوجد مدربون ومستشارون وخبراء من عدد من الدول”.

وأوضح ذات البيان “أن الحكومة العراقية لم تتفق مع أي دولة بشأن دورها العسكري مع العراق لمرحلة ما بعد النصر الحاسم على الإرهاب”.

وأكد “أن النصر تحقق بأياد عراقية خالصة وببطولات وتضحيات العراقيين وأن الحكومة العراقية لديها الخطط والاستراتيجيات لتطوير قدرات القوات الأمنية من خلال التدريب والتسليح لرفع الجاهزية لمواجهة التحديات المقبلة، بما يتوافق مع مقتضيات السيادة الوطنية”.

وجاء النفي الحكومي العراقي ردّا عما كشفت عنه وسائل إعلام أميركية، الجمعة، بشأن مباحثات بين واشنطن وبغداد لإبقاء القوات الأميركية في العراق بعد القضاء على تنظيم داعش، مشيرة، إلى وجود توافق بين الحكومتين بشأن الحاجة لوجود تلك القوات “على المدى الطويل لضمان أمن البلاد”.

الحرب على داعش فرصة مواتية للولايات المتحدة لإعادة قواتها إلى المنطقة وتدارك الغياب الذي حدث في عهد أوباما

ونقلت وكالة أسوشيتيد برس الأميركية عن مصادر رسمية في واشنطن وبغداد، القول إن “لقاءات عدة عقدت بين ممثلين عن إدارة ترامب ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لبحث إمكانية بقاء القوات الأميركية في العراق حتى بعد دحر داعش”.

كما نقلت الوكالة الأميركية عن هذه المصادر، التي لم تسمها، قولها إن “المباحثات بهذا الشأن ما تزال مستمرة”، وأنّ وزير الدفاع جيمس ماتيس شارك فيها.

وذكر موقع أيه بي سي نيوز الأميركي، أن “هدف المباحثات بقاء القوات الأميركية داخل القواعد العراقية الحالية، في خمسة مواقع على الأقل بمنطقة الموصل وعلى طول الحدود العراقية مع سوريا”.

وارتفع عدد القوات الأميركية في العراق مؤخرا ليصل إلى سبعة آلاف فرد تتمسّك حكومة بغداد بأن مهمّتهم تقتصر على تقديم الاستشارة والتدريب للقوات العراقية.

وتجري منذ فبراير الماضي معارك لاستعادة الجانب الواقع غربي نهر دجلة من مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش بعد أن اُستعيد الجانب الشرقي في إطار العملية العسكرية الكبيرة التي انطلقت في أكتوبر الماضي.

وتواترت خلال الأيام القليلة الماضية الأنباء عن تحقيق تقدّم نوعي في معركة الموصل، بالتزامن مع تصريحات قادة عسكريين تبشّر بأن الحسم النهائي للمعركة لن يتجاوز الشهر الجاري.

وتتحدّث بعض المصادر عن مساهمة أميركية كبيرة في حسم المعركة، ليس فقط عن طريق الغطاء الجوي الذي وفّرته طائرات التحالف الدولي للقوات العراقية، ولكن أيضا عبر مشاركة الخبراء الأميركيين في تخطيط المعارك وتوجيهها، فيما تظل الأنباء متضاربة بشأن مشاركة قوات أميركية في القتال على الأرض إلى جانب القوات العراقية.

ويظلّ في حكم المؤكّد أن الحرب على تنظيم داعش في العراق، وأيضا في سوريا المجاورة مثّلت فرصة مواتية للولايات المتحدة لإعادة قواتها إلى المنطقة، وإلى العراق تحديدا، وتدارك الغياب الذي حدث في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ما أفسح المجال لقوى منافسة لملء الفراغات هناك في مقدّمتها كل من إيران وروسيا.

ويصف خبراء الشؤون العسكرية عودة القوات الأميركية إلى العراق بالمدروسة والمركّزة والهادفة لضمان النجاعة في مراقبة الوضع العسكري بالبلد دون التورّط كثيرا هناك لتجنّب تعرّض تلك القوات للمخاطر.

ويسجّل هؤلاء تركيزا استثنائيا أميركيا على مناطق غرب العراق التي تتيح السيطرةُ عليها مراقبة الحدود العراقية خصوصا مع سوريا، حيث يبدو من المهم للولايات المتحدة قطع حبل التواصل البرّي بين الحليفتين طهران ودمشق عبر الأراضي العراقية.

ومؤخّرا كشف ضابط بالجيش العراقي عن وصول قوات خاصة أميركية إلى قاعدة عين الأسد بغرب العراق، استعدادا للمشاركة في استعادة ما بقي من مناطق محافظة الأنبار تحت سيطرة تنظيم داعش.

3