حكومة تكنوقراط عراقية مغشوشة

الأربعاء 2016/02/17

أثبت هنا شهادة أعلم بأنها لن تعجب الكثيرين من قرائنا العراقيين، وهي أن بول بريمر، في أول أيامه في القصر الجمهوري، لم يسقط في أحضان المعسكر الطائفي والعنصري العراقي، بل كان يحاول أن يتذاكى ويتعلم ويتثقف عراقيا، ويسمع من أي طرف أي شيء عن أهله وتاريخه.

ولأنه كان خالي الوفاض، مسبقا، من علم حقيقي وفهم ثابت لطبيعة المجتمع العراقي فقد أصبح كمن يعوم في بحر متلاطم وفي ليل بهيم. كان يسمع كل يوم رأيا، ثم يسمع في نفس اليوم رأيا آخر يعاكسه في كل شيء. وكان يتلقى نصيحة من عراقي ثم بعدها بدقائق يلطمه آخر باقتراح آخر نقيض مئة في المئة.

وعلى ذكر فكرة حكومة التكنوقراط التي ولدت مؤخرا في المنطقة الخضراء أتذكر أن بريمر كان بين تيارين عراقيين يحيطان به، الأول ليبرالي ديمقراطي مستقل يصر على حكومة مؤقتة مستقلة عن الأحزاب تكتب الدستور والقوانين الضرورية الأخرى، وتشرف على انتخابات شفافة ونزيهة ثم تسلم السلطة لمن يفوز بثقة الشعب العراقي، والثاني جبهة قوية متماسكة متراصة موحدة ضد كل ديمقراطي وكل علماني وكل تكنوقراط.

وبالكثير من الأخذ والرد وصراع الأضداد العراقيين أصبح بريمر أكثر ميلا لحكومة التكنوقراط. ثم أصبح يهجس بها، ويتحدث عن إيمانه بضرورتها في سنتين، على الأقل، في اجتماعاته بالعسكريين الأميركيين والبريطانيين وممثل الأمم المتحدة وزواره العراقيين.

بل إنه راح يلتقي سرا، وأحيانا علنا، بشخصيات عراقية وطنية معروفة بالعلم والخبرة والنزاهة والاستقامة والعقلانية، من كل المكونات، وبالأخص من الطائفة السنية، ليقيس مدى استعداد المزاج الشعبي العراقي لتقبل فكرة حكومة مستقلة (مؤقتة)، ولا يكتفي بنصائح الأحزاب الدينية (الشيعية) المتحالفة مع الحزبين الكرديين، بشأنها.

وكان طبيعيا ومتوقعا أن تستفز تلك اللقاءات جماعة “الشُّطّار السبعة”، أحمد الجلبي، إبراهيم الجعفري، عبدالعزيز الحكيم، موفق الربيعي، جلال الطالباني، مسعود البارزاني، أياد علاوي، فيستنفروا كل خبراتهم وشطاراتهم لثنيه عن فكرته الجهنمية التي تعني سقوط مخططاتهم، وخيبة أحلامهم في احتكار إرث صدام حسين.

يومها تقاسموا الأدوار. طار “بعضهم” مسرعا إلى واشنطن لإقناع “أصدقائه” في البيت الأبيض والكنغرس والدفاع والخارجية والسي آي أي بخطورة أفكار بريمر ونواياه. أما بعضهم الآخر الذي كلف بإدارة المعركة في الداخل فقد لجأ إلى المسيرات الحزبية المسلحة بحجة الاحتفال بمناسبات دينية وطائفية، لإفهام بريمر عواقب مخاصمة قيادات مؤتمريْ لندن وصلاح الدين اللذين وضعوا هم فيهما هياكل السلطة المقبلة في العراق. ويشك بعض المراقبين والسياسيين بأنهم دبروا بعض التفجيرات هنا وهناك واتهموا بها الصداميين والمقاومة السنية، وذلك لتسهيل مهمة الموفدين إلى واشنطن، بجعل الساحة العراقية تبدو موشكة على الانفجار في وجه الاحتلال. ودون الاعتماد على هذه الأحزاب وميليشياتها وقوتها السياسية في الشارع العراقي لن تكون قوات التحالف الدولي في أمان.

في تلك الفترة الحرجة الدقيقة اختار غلاة البعثيين وبعض شيوخ العشائر وبعض القادة الدينيين (الطائفيين) السنة مقاطعة اللعبة السياسية، بل تحريمها، ولجأوا إلى ما أسموه بـ”المقاومة” الوطنية لطرد المحتل، واستعادة السلطة بقوة السلاح. وكان هذا، تماما، ما كان يريده الشطار السبعة ويعملون من أجله.

(بالمناسبة بعض زعماء وشيوخ الاعتصامات في المحافظات الست يتدفأون بالحضن الأميركي، ولهم مكاتب تمثيلية في واشنطن، بعد أن كانوا يسمون الدواعش في الفلوجة والرمادي بثوار العشائر).

يومها أدرك بريمر أن حكومة التكنوقراط التي يريدها لن تكون أكثر من حكومة “مندوبين” عن الأحزاب الدينية الشيعية المتحالفة مع الحزبين الكرديين، في غياب وتغييب كامليْن للطرف الثالث، فأسقطها من حسابه، واستدار لفكرة مجلس الحكم المُلفق الذي لم يكن في حقيقته سوى مقهى “الشطار السبعة” وحدهم، بحضور أعضاء آخرين منزوعي الدسم ضموهم لجعل الصورة التي التقطت لهم في قصر المؤتمرات في 12 يوليو 2003 تبدو كأنها تمثل فعلا “مكونات” الشعب العراقي.

ومن طرائف العراق الديمقراطي الجديد أن الذين كفَّروا بالأمس، في عام 2003، من كان يدعو لحكومة تكنوقراط يطالبون بها اليوم، لا لوجه الله، ولا حبا بالديمقراطية، ولا شفقة بالعراق وإنصافا لأهله، بل لتصفية حسابات متراكمة في ما بينهم، ولإحداث تبديلات “قِشرية” تعيد إلى سلة المهملات بعضَ الوجوه المزمنة المستهلكة التي أصبحت مملة وتنفر العراقيين، وتوزير وجوه جديدة، لـ”قشمرة” المواطن العراقي المنتفخ بالنقمة واليأس والقنوط، لإقناعه بالكف عن التظاهر والمطالبة بالإصلاح، لأنهم أكثر منه عشقا وغراما بالإصلاح.

وذلك لأن أبرز المطالبين بحكومة التكنوقراط الجديدة، اليوم، هم أكثر الكارهين لثقافة التكنوقراط، وأكبر المستفيدين من جهالة الوزراء، ومن فساد ذممهم. ومن فضائل المحاصصة عليهم أنها وحدها جعلتهم “مُلاكَ” وزارات ومؤسسات وسفارات جعلوها هدايا وأعطيات ومكافآت لترضية الأبناء والأصهار وأبناء الأخوال والأعمام وتابعيهم، إلى يوم الدين.

بعبارة أكثر وضوحا. إن حكومة التكنوقراط التي يريدها عمار الحكيم ومقتدى الصدر وإبراهيم الجعفري وائتلاف القوى السنية لن تكون سوى حكومة “مندوبين” جُدد يرسلهم المجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الدعوة وجماعة سليم الجبوري والنجيفي والمطلق، وبرعاية المرجعية وسفارة الولي الفقيه. إنهم يذبحون ثقافة التكنوقراط، ويذبحون أهلها الحقيقيين.

كاتب عراقي

8