حكومة جديدة ومختلفة في السودان: هل تخشى الخرطوم مصير طهران

تكرار سيناريو العقوبات سيعني النهاية الحتمية للنظام، وعمر البشير يستنجد بعقول اقتصادية وتكنوقراط لحل الأزمة.
الثلاثاء 2018/09/11
احتجاجات السودان تنضج مع تواصل أزمة طوابير الخبز

قرر الرئيس السوداني عمر البشير حل الحكومة وعين رئيسا جديدا للوزراء في تحركات تهدف لإصلاح اقتصاد البلاد الذي يعاني من أزمة، ليست جديدة على السودان، لكن المتغيرات المحيطة بها، تجعلها أزمة مصيرية، وإذا لم يتعامل معها البشير وفق منطق هذه المتغيرات فسيجد نفسه وبلاده في وضع مشابه لما تواجهه حليفته السابقة إيران، خاصة وأن آلة القمع لن تفيد في وأد غضب السودانيين الذين مازالوا إلى الآن يقفون في الطوابير الطويلة من أجل الحصول على الخبز والوقود وبعض المال.

يبذل السودان جهدا كبيرا لحل أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية، ويحاول التكيف مع المعطيات الإقليمية والدولية، التي تُعلي من التنسيق والتعاون في المجالات التنموية، وتنحية الأساليب القديمة في المناوشات والتجاذبات، وبالفعل نجحت الخرطوم في تخفيف حدة بعض الأزمات الخارجية، وبقيت المعضلة الاقتصادية.

ويحاول السودان الإسراع في تحركاته على مستويات مختلفة لتجنب مواجهة سيناريو قاتم مشابه للنموذج الإيراني يفضي إلى تدمير مقدرات الدولة التي تعاني أصلا من أزمات معقدة. بدأت الخرطوم مبكرا الانتباه إلى هذه المسألة ونفضت يدها بعيدا عن أحلام وطموحات طهران، وتخلت عن جزء معتبر من التصورات الأيديولوجية التي حكمت علاقاتها الخارجية لفترة طويلة، وانعكست عليها سلبا من النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية.

ويحمل التغيير الوزاري الذي أعلن عنه في ساعة متأخرة من مساء الأحد، علامة تؤكد صعوبة الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فتعيين رئيس حكومة جديد (معتز موسى عبدالله) وقصر مهام رئيسها السابق بكري حسن صالح في منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، معناه أن الدولة بحاجة لعقول اقتصادية وتكنوقراط لتخطي الأزمات المتراكمة.

ويكشف التوسع في تبني سياسة تقشف صارمة عن فداحة الموقف، ويؤكد أن السودان على شفير تدهور حقيقي، فقد أعلن عن خفض عدد الوزراء من 31 إلى 21 وزيرا، وخفض وزراء الدولة بنسبة 50 بالمئة، وقبلها تم غلق عدد من السفارات في أزمة شهيرة نشبت مع إبراهيم غندور وزير الخارجية السابق، أدت إلى إقالته، وهي إشارة كانت كفيلة بدق جرس الإنذار وأن الموقف بات يتطلب حلا مبتكرا.

تعقيدات اجتماعية

نجمت عن تصاعد المشكلات الاقتصادية أمراض اجتماعية عديدة، في ظل تراجع قيمة العملة وانتشار السوق السوداء وزيادة نسبة البطالة واتساع نطاق الطوابير في شوارع السودان للحصول على المواد الغذائية بصعوبة، فضلا عن قيام المعارضة بتوظيف الأوضاع المتردية وحرفها إلى مجالات سياسية، لدفع الناس نحو ثورة شعبية على النظام، أصبحت جذورها مغروسة في شوارع الخرطوم وغيرها من المدن الكبرى.

وربما يكون الرئيس عمر حسن البشير تمكن من هندسة المجال العسكري والاستخباراتي والحزبي، بموجب تغييرات أجراها الأشهر الماضية بما يضمن سيطرته على مفاصل الدولة، لكن لا تزال الأزمات الاقتصادية مستعصية على الحل، لأنها متشابكة ومرتبطة بحسابات وتقديرات خارجية أكثر منها داخلية، وهو ما لم يستطع البشير إدراكه جيدا حتى الآن، وقصر جهوده على تقليص أوجه الإنفاق الداخلية، وهي وسيلة تعجز عن تخطي تلال من المشكلات.

رأس المال يحتاج بيئة مستقرة وحوافز كبيرة والأهم أنظمة تستطيع التكيف مع التطورات وتفهم أن لغة التعاون تحتاج إلى قفزة واضحة فوق الحواجز التقليدية

وعندما فقد السودان نحو 75 بالمئة من موارده، عقب انفصال الجنوب عام 2011، لم تتخذ الخرطوم الخطوات اللازمة لتعويض هذه النسبة عبر تبني مشروعات قومية عملاقة، وأدى سوء الإدارة والتخطيط إلى تفويت الكثير من الفرص على البلاد، فكان من الواجب على الرئيس السوداني تبني سياسات ثابتة تطمئن المستثمرين، تنطلق من قواعد اقتصادية أكثر منها سياسية.

وعبّر انخراط البشير في علاقات اقتصادية ذات صبغة أمنية وسياسية مريبة مع دول مثل قطر وتركيا، عن نوايا لا تتواءم مع المعطيات الإقليمية التي تقوم على التعاون الجماعي ورفض فكرة التوظيف الأيديولوجي، وهو ما ظهرت معالمه في تحركات كل من الدوحة وأنقرة وقبلهما إيران.

وساهم قطع العلاقة مبكرا مع طهران، ثم فرملة الاندفاعات نحو فريق قطر وتركيا في تحسين صورة الخرطوم نسبيا، وفتح أفق جديد لها مع مصر. كما أدى انحيازها من قبل إلى معسكر السعودية والإمارات، إلى تحسن في علاقات السودان مع الولايات المتحدة، التي أعلنت عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ حوالي 20 عاما.

رفع العقوبات ولكن..

Thumbnail

تصورت الخرطوم أن رفع العقوبات كفيل وحده بجذب رؤوس أموال كبيرة للبلاد، وتناست أنها خطوة من الضروري أن تتلوها خطوات عملية على نواح اقتصادية وسياسية وأمنية، كي تصل رسائل السودان الإيجابية إلى من يهمهم الأمر، ويقدموا على مساعدته في الخروج من مآزقه المتعددة.

ولم تُحسن إدارة الرئيس البشير قراءة التطورات بدقة، وحتى الآن لم تثمر الخطوة الأميركية الخاصة برفع العقوبات، ولا التلويح برفع اسم السودان من لائحة الإرهاب الأميركية، عن مردودات كبيرة، فالمصارف العالمية تتحفظ على التعامل مع الخرطوم، وتسيطر على غالبيتها هواجس تتعلق بعدم استبعاد إعادة فرض العقوبات مرة أخرى.

ويبدو النموذج الإيراني حاضرا هنا، فبعد خمس سنوات من رفع العقوبات على إيران، عادت الأخيرة إلى حظيرة العقوبات الأميركية مرة أخرى، عندما حاولت طهران الحفاظ على تطبيع علاقاتها مع الغرب مع التمسك بسياساتها العدوانية وتدخلاتها في الشؤون الداخلية للكثير من الدول العربية.

أخفقت طهران في فهم المنظومة الدولية، وكان من الطبيعي أن تتكاتف دول كثيرة لتقليم أظافرها في الأماكن التي اعتقدت أنها تمكنت من السيطرة فيها على مفاتيح الأمر والنهي، مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، ناهيك عن تطويقها في القرن الأفريقي، وتقويض محاولات زحفها على الجهة المقابلة لليمن.

مع أن الفارق كبير بين السودان وإيران، لكن السودان لم يستوعب تماما الدروس التي مرت بها طهران، فرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية ثبت أنه لا يعني نهاية المطاف، ويمكن أن تعود في أي لحظة، كما أن التحسن التدريجي في علاقات الخرطوم مع جهات عربية وغير عربية قد يتغير، إذا لم يتناغم السودان مع التطورات المحيطة به والتي تتخذ شقا تنمويا لافتا.

وتفسر الشكوك التي تنتاب البعض من عودة العقوبات على السودان، خاصة أن سيف المحكمة الجنائية الدولية لا يزال مسلطا على رقبة البشير، جانبا مهما من الإحجام عن ضخ المزيد من الاستثمارات في الأراضي السودانية، فقد انتهى زمن التعامل بالقطعة، وجاء وقت الجميع يدرك أن رأس المال يحتاج بيئة مستقرة وحوافز كبيرة، والأهم أنظمة تستطيع التكيف مع التطورات، وتفهم أن لغة التعاون تحتاج إلى تجاوز الحواجز التقليدية.

لن يتمكن السودان من التخفيف من حدة أزماته ما لم يدرك أن التخطيط والإدارة بحاجة إلى عقل منفتح على الآخرين. عقل يستوعب حجم التغيرات التي طرأت على البيئة الإقليمية، وجعلت من إثيوبيا وإريتريا تقدمان على طي صفحة سوداء في عمر العلاقات بينهما.

وينطوي انضمام كل من الصومال وجيبوتي إلى شبكة التعاون على أساس التنمية المشتركة في شرق أفريقيا، على رسالة عميقة للسودان، تقول إن أمامه فرصة ليكون عضوا في هذا النادي، شريطة أن يهضم الإشارات المتباينة التي تتوالى من حوله، ويعمل على عدم تكرار أخطاء وحماقات الآخرين، كي ينجو الرئيس البشير بنفسه، ويبعد بلاده عن وضعها تحت مقصلة مشابهة لما تواجهه إيران.

7