حكومة حرب في تونس: مقومات القبول ودواعي المعارضة

الأحد 2017/09/10

تعديل وزاري جديد في تونس يعتبره المحللون والمهتمون بالشأن السياسي بمثابة تأسيس لحكومة جديدة. باعتبار عدد الحقائب الوزارية الجديدة التي طالت قرابة 11 وجها جديدا موزّعين بين وزراء وكتاب دولة في وزارات مختلفة وخصوصا السيادية منها على غرار وزارتي الداخلية والدفاع. لكن الأهم من ذلك هو الشعار الذي تحمله الحكومة الجديدة بمسمّى “حكومة حرب”، وهو يعكس مواصلتها للنهج الذي سارت فيه في الإصلاح واتفقت عليه جميع مكونات المشهد السياسي في تونس في مخرجات وثيقة قرطاج التي انطلق العمل بها فعليا مع الحكومة الأولى ليوسف الشاهد، لكنّ ظروفا غير مواتية ومرحلة اضطرارية مهمّة أدتا إلى هذا التغيير الجوهري الذي كان لا بد منه.

عاشت تونس منذ فترة على وقع التعديل الوزاري الذي نسجت فصوله الأخيرة، الأربعاء الماضي، بعد استكمال رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمشاوراته مع الأحزاب، ليقدم بعدها لرئيس الدولة الباجي قايد السبسي التشكيلة الأساسية للوزراء الجدد الذين سيشملهم التغيير والذين يقدر عددهم هذه المرة بـ11، موزعين بين وزراء وكتاب دولة.

لكن الملاحظ للمشهد السياسي والمتابع بدقة لحصيلة الآراء والمواقف السياسية التي طبعت مختلف الفاعلين السياسيين في تونس، حتى قبل أن يعلن الشاهد عن تشكيلة حكومته الجديدة، يستوقفه التباين في وجهات النظر والاختلاف الذي لاح في أفق هذا التعديل والذي يذهب البعض إلى اعتبار أنه ربما يخلق نوعا من “الأزمة” التي قد تهدد المسار الديمقراطي للبلاد بالكامل.

ربما يكون الحديث عن أزمة سياسية في تونس قبل استئناف التشكيل الحكومي الجديد لأعماله سابقا لأوانه في هكذا مستوى من الحديث، لكن ما هو مؤكد أن المواقف الصريحة والمباشرة لبعض الأحزاب ومنها المشاركة في الحكم، على غرار حركة النهضة، تنم عن اتجاه نحو تعميق المجرى في هذا الاتجاه، رغم دعوة زعيمها راشد الغنوشي، مرغما، الكتلة البرلمانية للتصويت لصالح تزكية الفريق الحكومي الجديد.

في المقابل أسئلة عديدة تطرح حول الآليات والطرق التي استند إليها رئيس الحكومة في اختيار تشكيلته الجديدة ومنها: هل الوجوه الجديدة قادرة فعلا على إقناع الرأي العام في تونس بحظوظها ولعب دورها لإخراج البلاد من وضعها الاقتصادي والاجتماعي الصعب؟ هل ستكون فعلا حكومة حرب اسما على مسمّى؟

إلى أيّ مدى تكون المبررات التي ينتظر أن يقدمها رئيس الحكومة كافية للتعويل على وجوه محسوبة على النظام السابق في هذا التعديل الجديد، أم أنها ستكون مدعاة لبروز شق معارض للتعيينات الجديدة؟

عديدة هي الأسئلة وكثيرة هي الأطروحات التي بنى عليها الخبراء والمحللون مواقفهم لتقييم الوضع السياسي في تونس.

المواقف في تونس انقسمت، أو هي منقسمة أصلا، منذ أعلن رئيس الحكومة البدء في مشاوراته. الحزبان الرئيسيان الممثلان لحكومة الشاهد الأولى النهضة والنداء منقسمان، فما بال التونسيين بانقسام الأحزاب الأخرى ومنها المعارضة. مواقف الأحزاب عبّر عنها الحزبان الحاكمان، وخصوصا حزب حركة النهضة الذي دعا زعيمها راشد الغنوشي الشاهد إلى إجراء تعديل جزئي يشمل الوزارات الشاغرة، وهو ما لم يحصل.

حركة النهضة حرّكت المياه الراكدة بإعلانها أنها لن تتراجع عن تمثيليتها من الوزراء في الحكومة الجديدة، فيما يتمسك نداء تونس بدعم تمثيليته هو الآخر وطالب بتدعيمها.

بانت لعبة الحزبين من وراء التمثيلية التي حرّكت سواكن القيادة في كليهما ووضعت الشاهد أمام “مأزق” الاختيار، لكن الاختيار جاء مقوّضا لكل الاقتراحات والرؤى المنادية بفرض هذا وتزكية ذاك. مرد ذلك طبيعة المرحلة التي اقتضت من رئيس الحكومة مواصلة المعركة دون تراجع، حتى وإن تطلب الأمر فك الشراكة مع “العدوّ الصديق”.

عمليا يأتي التعديل الوزاري في ظل تباين في وجهات النظر واختلافات بدأت ملامحها تبرز للعيان في الآونة الأخيرة بين الحزبين والمكونين الرئيسيين للمشهد السياسي في البلاد، وهما حركتا نداء تونس والنهضة.

أسباب هذه الاختلافات والتباينات البعض منها معلوم والآخر مخفي، لكنها تصب في النهاية في خانة التنازلات من جانب حزب حركة النهضة فيما يرجعها البعض الآخر إلى الاختبار الجدي الذي يفرضه حزب نداء تونس على شريكه في الحكم لاختبار مدنيته ونزعه عباءة التنظيم الدولي للإخوان. الرئيس الباجي قايد السبسي عبّر عن ذلك صراحة ودون مواربة في تصريح لجريدة “الصحافة” المحلية قبيل التحوير الوزاري وقال إنه لا يزال مترددا بشأن “مدنية” حركة النهضة. فيما الحركة بالها مشغول بكل ما يجري في إقليمها القريب والبعيد، خصوصا في دول الخليج وملف قطر العالق بسبب تعنّتها في الدفاع على التنظيمات الإخوانية. وهو ما يعكسه البيان الصادر عن المكتب التنفيذي لحركة النهضة عقب التحوير الوزاري والذي ثمّن فيه “حرص رئيس الجمهورية على تحقيق المصالحة الشاملة وترسيخ الوحدة الوطنية بين التونسيين”.

وأقرّ البيان أيضا بدعم النهضة لـ”مسار التوافق الوطني وتمسّكها بمقوماته وخصوصا مع حركة نداء تونس والعائلة الدستورية”، داعيا “كافة الأطراف السياسية إلى الالتفاف حوله”.

المحرج في الزيجة “المغلوطة” بين الحزبين القياديين في تونس، النهضة والنداء، أن أعراض الفتور وملامح فكّ الارتباط باتت مكشوفة للعيان. المسألة تبدو مسألة وقت لا غير، فيما انتظارات تونس العديدة وملفاتها الكبرى شيء يتحسّسه القادة ومنهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي اختار شعار الحرب للفترة القادمة، وسط أمل يحدو جميع التونسيين بأن تحط أوزارها لتحقيق مجمل هذه الانتظارات القريبة منها قبل البعيدة.

كاتب تونسي

3