حكومة دياب تبدأ رحلة الألف ميل في مسار إنقاذ "صعب" للبنان

الحكومة اللبنانية تقر خطة إنقاذ اقتصادي ستستخدم لطلب برنامج من صندوق النقد الدولي من أجل مساعدة الاقتصاد على اجتياز الأزمة الحادة التي قد تطول.
الجمعة 2020/05/01
بالمرصاد

خطة الإنقاذ الاقتصادي والمالي للبنان، أبصرت النور أخيرا بعد فترة من السجالات والمناكفات السياسية. وترنو الحكومة من خلالها إلى الحصول على دعم صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي يسود اليأس الشارع اللبناني.

بيروت- أقرّت الحكومة اللبنانية الخميس خطة إنقاذ اقتصادي طال انتظارها، وتأمل على أساسها في إقناع المجتمع الدولي بمساعدة لبنان على الخروج من دوامة انهيار مالي فاقمته تدابير وقاية مشددة لمواجهة جائحة كورونا.

وقال رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب إن خطة الإصلاح التي وافقت عليها الحكومة بالإجماع ستستخدم أساسا لطلب برنامج من صندوق النقد الدولي من أجل مساعدة الاقتصاد على اجتياز الأزمة الحادة التي قد تمتد لما يصل إلى خمس سنوات.

وفيما وصف الرئيس اللبناني ميشال عون المصادقة على الخطة بالتاريخية لأنه “للمرة الأولى تقرّ خطة اقتصادية – مالية بعدما كاد عدم التخطيط وعدم استشراف المستقبل يوديان بالبلد إلى الخراب”، تبدي الأوساط الاقتصادية تريثا في التعليق على “الإنجاز” الذي يعدّ الخطوة الأولى ضمن رحلة الألف ميل التي على لبنان قطعها للوصول إلى بر الأمان.

وجاء إقرار الخطة الاقتصادية بعد ثلاثة أيام متتالية من الاحتجاجات الشعبية الصاخبة ردا على غلاء المعيشة وفقدان الآلاف من اللبنانيين مصادر رزقهم وغياب أيّ أفق لحلّ الأزمة الاقتصادية، رافعين الصوت عالياً ضد “الجوع”. وحصلت مواجهات بينهم وبين وحدات من الجيش، خصوصا في مدينة طرابلس شمالا.

ومنذ تشكيلها في بداية العام الحالي، تنكبّ الحكومة برئاسة حسان دياب على وضع خطة إنقاذ اقتصادية تتضمن إصلاحات ضرورية وإعادة هيكلة الدين العام المتراكم، وسبق وأن لاقت جملة من المقترحات الحكومية على غرار “الهيركات” و”الكابيتول كونترول” اعتراضات شديدة من قبل الحلفاء والخصوم على السواء.

ووفق نسخة أولية من الخطة تمّ تسريبها قبل أسابيع وأثارت انتقادات كثيرة، تقدّر الحكومة حاجة لبنان اليوم إلى أكثر من 80 مليار دولار للخروج من الأزمة والنهوض بالاقتصاد، ضمنها ما بين 10 إلى 15 مليار دولار على شكل دعم خارجي خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتأمل الحكومة بإقناع المجتمع الدولي الذي اشترط عليها القيام بإصلاحات “سريعة وفعالة” لتقديم أي مساعدة مالية أبرزها 11 مليار دولار أقرّها مؤتمر “سيدر” في العام 2018 لهذا البلد الصغير المنهك بسنوات من الأزمات السياسية المتتالية وعقود من الفساد.

في مستهل جلسة الحكومة، اعتبر دياب أنه “بإقرار الخطة الاقتصادية نكون قد وضعنا القطار على السكة، وقد أشبعناها درسا لأنها ستحدد مسار الدولة لإصلاح الواقع”. واعتبر أن أهميتها تكمن في أنها “عمليّة وتتضمن رؤية اقتصادية لمستقبل لبنان”.

والأزمة الاقتصادية الحالية تُعدّ الأسوأ منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، وهي وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية. ويعدّ لبنان من أكثر الدول مديونية في العالم، وتبلغ قيمة ديونه 92 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 170 في المئة من ناتجه المحلّي.

وفي مارس، أعلنت الحكومة التوقف عن سداد الديون الخارجية في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين هدفها حماية احتياطات البلاد من العملة الأجنبية التي تراجعت خلال الأشهر الماضية بشكل كبير.

وبدأت معالم الانهيار الاقتصادي بالظهور في لبنان منذ صيف العام 2019، مع بروز سوق موازية لسعر صرف الليرة اللبنانية وشح الدولار، ما دفع بمئات آلاف اللبنانيين إلى النزول إلى الشارع لأشهر عدة رافعين الصوت ضد الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد ويحملونها مسؤولية أزمتهم المعيشية. وأطاحت التظاهرات بالحكومة السابقة.

لا يمكن إخراج لبنان من دوامة الانهيار من دون طلب الحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي

وهدأت التحركات نسبيا مع تشكيل حكومة دياب بداية العام الحالي لتقتصر على تحركات رمزيّة أطاحت بها إجراءات الوقاية من فايروس كورونا المستجد الذي تسبب بـ721 إصابة بينها 24 وفاة حتى الآن. وفاقمت تدابير الإغلاق العام في الوقت ذاته معاناة المواطنين.

ومع تفاقم الشلل الاقتصادي، طفح كيل جزء كبير من اللبنانيين بسبب تراجع قدرتهم الشرائية بعدما سجلت الليرة اللبنانية بداية الأسبوع الحالي انخفاضا قياسيا جديدا في السوق السوداء لتتخطى عتبة أربعة آلاف مقابل الدولار، تزامناً مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 55 في المئة.

وعاد المئات من الشبان إلى الشارع منذ الاثنين، واشتبك العشرات منهم مع الجيش في مدينة طرابلس، في مواجهات تكررت لثلاث ليال متتالية رشق خلالها المحتجون القوى الأمنية بالحجارة وقنابل المولوتوف اليدوية. وردّ الجيش باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.
وقال علاء خضر (34 عاماً)، وهو موظف في منظمة غير حكومية وينتظر مولودا جديدا، “تراجعت قدرتي الشرائية إلى حد كبير، وبات راتبي بالكاد يكفيني مع عائلتي الصغيرة حتى آخر الشهر”. ويضيف الشاب المقيم في طرابلس “على غرار الآلاف في لبنان، أشعر في كل لحظة أنني مهدد بخسارة عملي (…) ولا أتلقّى دعما من الدولة أو أي جهة أخرى”.
ولا يعلّق علاء آمالا على خطة الحكومة لأن “العبرة في تنفيذها”، مذكرا بأن الحكومات السابقة “وضعت خططا كثيرة، لكن الوضع زاد تدهورا وإفلاسا حتى بلغنا مرحلة باتت الحلول فيها شبه معدومة”.

2