حكومة عراقية انتقالية وربما مؤقتة

بقليل من الواقعية وحساب مخاطر الانزلاق في الصراع المسلح والسقوط في الفوضى، يمكن أن ننظر إلى خيارات الرئاسات الثلاث على أنها مرحلة انتقالية جيدة للعبور إلى مرحلة جديدة.
الخميس 2018/10/04
ما يريده معظم العراقيين هو الانتقال إلى حكومة مدنية تنهي عصر الطائفية

يمكن القول رغم مواقف المتشائمين المبررة، إن اختيار رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان في العراق فيه الكثير مما يدعو للتفاؤل. فقد تمت تلك الاختيارات، بعد مخاض شاق، بطريقة تكسر الاصطفافات الحزبية والطائفية والعرقية. ويمكن اعتبار تشتت النواب في القائمة الواحدة وتصويتهم بشكل فردي، خطوة جيدة، بعد أن انقسمت معسكرات الشيعة والسنة والأكراد لأول مرة منذ عام 2003.

لاحظنا أن الخروج من مرحلة المحاصصة وفتح أبواب محاسبة الآلاف من الفاسدين والجيوش التي تقف خلفهم، عملية شاقة خاصة في ظل سقوط إيران في طريق مسدود، يمكن أن يؤدي إلى نهاية النظام، وهو ما أرجح حدوثه قريبا وربما في العام الحالي.

شاهدنا المخاض الشاق وكيف تم تسميم مياه البصرة وتفجير العنف بأصابع خفية بعيدة عن المحتجين المسالمين، حين لاح احتمال تشكيل حكومة بعيدة عن نفوذ إيران، ولذلك كان لا بد من مرحلة انتقالية تتناسب مع حجم الخراب المتغلغل في جميع مفاصل الدولة.

كاد البلد يسقط في حرب مفتوحة لو مضت كتلة سائرون وحلفاؤها في معركة كسر العظم وأصروا على ما يريده معظم العراقيين، وهو الانتقال إلى حكومة مدنية تنهي عصر الطائفية وتقصي الميليشيات والقوى السياسية الموالية لإيران وتفتح أبواب محاسبة الفاسدين.

ما حدث هو أكثر من نصف ذلك كمرحلة انتقالية مؤقتة بفضل الخوف من غضب الشارع العراقي خاصة في وسط وجنوب العراق. وسوف تتبلور هذه المرحلة الانتقالية مع اتضاح مسارات أزمة إيران وطريقها المسدود. كما ستتبلور بالتوازي مع مخاض المنطقة، وضمنها ملفات سوريا ولبنان وحتى القضية الفلسطينية والأزمة في تركيا.

وفي تقديري فإن المنطقة اقتربت من نهاية مرحلة الإسلام السياسي، وقد يحدث ذلك بسرعة تفوق التوقعات إذا سقط حجر واحد من أحجار الدومينو، وخاصة إذا كان ذلك هو حجر الولي الفقيه الإيراني. كمرحلة انتقالية، وربما مؤقتة، يمكن أن يكون عادل عبدالمهدي خيارا مقبولا لرئاسة الحكومة بدل الدخول في حرب مفتوحة وانزلاق البلد إلى الفوضى.

سيقول كثيرون إنه تقلب كثيرا في انتماءاته الحزبية، ولكن ينبغي أن نعترف بأن ذلك ليس أمرا نادرا بين البشر، إضافة إلى أنه كان مبتعدا عن الحلبة السياسية والانتماء الحزبي منذ فترة طويلة. يحسب له أنه يفهم في آليات عمل الاقتصاد، وأنه اشترط عدم تدخل الأحزاب في اختيار الوزراء وأكد إصراره على اعتماد معيار الكفاءة. وسيكون الشارع العراقي هو الحكم.

ينبغي الإشارة أيضا إلى أنه يكاد يكون الوحيد، الذي استقال مرتين وتخلى عن إغراءات منصبيْ نائب رئيس الجمهورية ووزير النفط حين طالب المحتجون بذلك.

أما برهم صالح فينبغي أن نلاحظ أنه تغير ونضج كثيرا بعد المواجهات الشرسة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.

من الواضح أنه أصبح في مواقفه الأخيرة يراهن على دولة مدنية. وينبغي من باب فتح صفحة جديدة ألا نستدعي بعض مواقفه القومية مثل تصويته في الاستفتاء، لأنها مواقف غريزية لا يمكن إنكارها إضافة إلى أنه ابتعد عنها بواقعية ومنطق مدني متماسك.

أما رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، فإن انتخابه لا يخلو من صفقة مريبة. ويمثل محاولة من معظم النواب ورؤساء الكتل لتخفيف إمكانية محاسبتهم وفتح الأبواب أمام رفع الحصانة عنهم. ومن الواضح أن الميليشيات وبقية المعسكر الإيراني هي التي اختارته للمنصب لمنع وصول خالد العبيدي.

كما أن الأحزاب الكردية رأت في الحلبوسي خيارا أفضل لقيادة الجدل في البرلمان في ملف المناطق المتنازع عليها. وأرادت إبعاد العبيدي ابن الموصل الذي يعرف الأبعاد الاجتماعية لتلك المناطق. أعتقد أن بقاء الحلبوسي في منصبه لفترة طويلة أمر مستبعد. وحين تهدأ العاصفة بعبور المهل الدستورية وتشكيل الحكومة سوف تتبلور اصطفافات جديدة في البرلمان، وقد تتمكن من عزله من منصبه، خاصة في ظل وجود اتهامات كبيرة له بالفساد.

بقليل من الواقعية وحساب مخاطر الانزلاق في الصراع المسلح والسقوط في الفوضى، يمكن أن ننظر إلى تلك الخيارات على أنها مرحلة انتقالية جيدة للعبور إلى مرحلة جديدة. وقد تكون كل تلك الخيارات مؤقتة إذا لم تتمكن من الاستجابة إلى ما يريده معظم العراقيين، الذين لم تكن رسالتهم أكثر وضوحا في أي وقت مضى.

8