حكومة مزيّفة أونلاين تربك النظام والشارع في مصر

مستخدمو الشبكات الاجتماعية  ينتقدون الحكومة في تعاملها مع الصفحات الوهمية إذ أنها لا تتحرك لغلقها، ما يعطيها قدرا من الشرعية عند متابعيها.
السبت 2018/05/05
أزمة خارج السيطرة

القاهرة - أصبحت صفحات المسؤولين المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي تمثل أزمة للحكومة المصرية، وأضحت بمثابة “حكومة موازية لكنها مزيفة” تعمل على توسيع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، لكثرة ما تنشره من أخبار وقرارات مجافية للحقيقة، أكثرها يتعلق بقضية محورية تحظى باهتمام الناس.

وينتقد مستخدمو الشبكات الاجتماعية الحكومة في تعاملها مع هذه النوعية من الصفحات، إذ أنها لا تتحرك لغلقها، ما يعطيها قدرا من الشرعية عند متابعيها الذين تخطوا مئات الآلاف في بعض الأحيان.

ويتجاوز عدد متابعي الصفحة المزيفة لوزير التربية والتعليم مثلا 80 ألف شخص، بينما صفحته الرسمية لا يتجاوز عدد متابعيها 55 ألفا.

تتنوع الصفحات المزيفة لمسؤولين كبار في مصر، بين وزراء ورؤساء هيئات وجهات حكومية رفيعة على غرار صفحة “رئاسة الجمهورية”، وأحيانا تتحدث عن أنشطة وقرارات مرتقبة غير حقيقية وتنسبها إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وتستثمرها المعارضة لتوجيه انتقادات حادة للنظام برمته.

 

هوس بعض الأشخاص بمواقع التواصل الاجتماعي دفع مطلقي الحسابات الوهمية إلى استهداف المسؤولين في مصر. وقد ازداد عدد المتابعين لهذه الصفحات في ظل غض الطرف عن محاسبتهم من قبل الحكومة المصرية

وأحدث الحساب الوهمي لرئيس اتحاد الكرة المصري هاني أبوريدة عاصفة من الجدل المجتمعي مؤخرا، بعدما هاجم لاعب كرة القدم الشهير محمد صلاح، نجم المنتخب المصري وليفربول الإنكليزي، وقال إن “اتحاد الكرة يفكر في عدم مشاركته (صلاح) مع المنتخب خلال كأس العالم لعدم تعاونه بشكل وطني مع مصر”.

وجاءت التغريدة المزيفة والمثيرة، بعد أيام من نشوب أزمة بين محمد صلاح واتحاد الكرة.

ويرى متابعون أن إنشاء هذه الحسابات أصبح مرتبطا بما يحدث من مستجدات سياسية واجتماعية، حيث يحرص أصحابها على التغريد بشكل متتابع مع الأحداث أولًا بأوّل، وتشير أكثر ردود المتابعين إلى أنهم لا يتفاعلون مع الشخص الحقيقي، ويغضب البعض ويسخر البعض الآخر ويؤيد هذا ويشتم ذاك.

ويقول هؤلاء إن تعامل الجهات الحكومية باستخفاف مع الصفحات الوهمية التي تحمل أسماء مسؤولين بالدولة، سمح لأصحابها بالتمادي في أفعالهم رغم ما يسببه ذلك من أزمات يصعب السيطرة عليها.

وتكمن المشكلة الأخرى في أن بعض المواقع الإلكترونية الإخبارية تستقي أخبارها من هذه الصفحات، ما يوسع دائرة نشر المعلومات المغلوطة، كما أن ذلك يشعر المتابع بأنه ما دامت هناك مواقع صحافية تنشر لأصحاب هذه الصفحات، فإنها تتبع المسؤولين وتتحدث بلسانهم.

يضاف إلى ذلك أن أكثر المسؤولين في مصر ليس لهم حسابات رسمية على مواقع التواصل، وربما لا يجيدون التعامل مع العالم الافتراضي أصلا، ما يعني أنهم لا يراقبون ما ينسب إليهم من تصريحات، ولا ينفون الخاطئ منها بشكل سريع، ويشعر البعض بأن أي حساب يخص أحد هؤلاء هو حساب رسمي، ما دام لا يوجد غيره.

وفي المرات القليلة التي تدخلت فيها الحكومة نفت ما أثير على إحدى الصفحات التي تحمل اسم خالد بدوي وزير قطاع الأعمال، عن بيع شركات القطاع العام، وقالت إنه “لا يمتلك أي حساب على مواقع التواصل من الأساس، وهناك شخص استغل ذلك ووضع صورته على حساب مزيف ونشر هذه الأخبار”.

وليد حجاج: الصفحات الوهمية تتخذ منحى جديا عندما يغيب المسؤول الحقيقي
وليد حجاج: الصفحات الوهمية تتخذ منحى جديا عندما يغيب المسؤول الحقيقي

ورأى وليد حجاج الخبير في أمن المعلومات، أن الخطر الأكبر في الصفحات الوهمية للمسؤولين يكمن في أن القائمين عليها يحرصون على تقمص صفات السياسي أو المسؤول الذي تنشأ الصفحة باسمه، وينشرون ما يتوافق مع نهجه وتفكيره، ما يثير فضول الناس ويشدهم لمتابعة الصفحة.

وأضاف لـ”العرب” أن الصفحات الوهمية لمسؤولين بارزين في أي دولة تتّخذ منحى لافتا في المتابعة والمصداقية عندما يغيب المسؤول الحقيقي عن التواصل مع الناس، وتتسع دائرة الاستقطاب السياسي وغياب الثقة بين الشارع والحكومة.

ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، أكثر من بيان صحافي لنفي أخبار ومعلومات أثيرت على صفحات وهمية تخص مسؤولين ووزراء.

ويقول مراقبون لهذه الظاهرة في مصر إن تحرك الحكومة السريع نحو غلق صفحات على مواقع التواصل بذريعة أنها تحرض على العنف والتطرف والإرهاب، مقابل صمتها على اتباع نفس النهج مع تلك التي تثير البلبلة في الشارع بأخبار مغلوطة، يوحي بأنها راضية بهذا الأمر لما قد يحققه من مزايا في بعض الأحيان.

وقال حجاج “صفحات المسؤولين المزيفة تحمل إرهابا فكريا، وهناك تراخٍ حكومي غير مبرر في اتخاذ إجراءات قانونية ضدها، لأنه يمكن غلقها بسهولة، في حال تواصل أي جهة رسمية مع إدارات مواقع التواصل وتقديم وثائق تبرهن على أن هذه الصفحات مزيفة”.

19