حكومة مهدي جمعة تبدأ استراتيجية إنهاء سيطرة المتشددين على المساجد

الثلاثاء 2014/03/11
المتشددون يستغلون مساجد كثيرة لنشر الفكر المتطرف وإطلاق دعوات"الجهاد" في سوريا

تونس - مع صعود تيار الإسلام السياسي بعد ثورة 14 يناير 2011 في تونس، صارت المساجد منابر تستغلها الأحزاب للدعاية لأفكارها وبرامجها، وقامت أطراف متشددة محسوبة على التيار السلفي الجهادي بالسيطرة على العديد من هذه المساجد. وأمام فشل حكومة حركة النهضة في التصدي لهذه الظاهرة، ضبطت الحكومة الجديدة إستراتيجية لإعادة السيطرة على حوالي 150 مسجدا.

أكّدت رئاسة الحكومة التونسية، أنّها ستلجأ إلى استخدام السلطة التنفيذية بالتنسيق مع وزارة الداخلية، لإعادة سيطرتها على المساجد غير الخاضعة لإشراف المؤسّسات الرسميّة.

وقال مدير ديوان وزير الشؤون الدينية، في تصريحات لوسائل الإعلام، إن الوزارة حددت خطة تمتد على مدى ثلاثة أشهر لاستعادة قرابة 150 مسجدا، هي خارج سيطرتها، من بين أكثر من خمسة آلاف مسجد في كامل أنحاء البلاد.

ويتعارض هذا الرقم مع ما كان قد أعلن عنه وزير الشؤون الدينية في الحكومة المستقيلة، نورالدين الخادمي، في العام الماضي، عندما أكد أن 50 مسجدا فقط مازالت خارج سيطرة الوزارة.

وأوضح المسؤول في وزارة الشؤون الدينية، عبدالستار بدر، أن الوزارة ستعيّن أئمة آخرين على منابر تلك المساجد غير الخاضعة للسيطرة، وستلجأ إلى القوة العامّة إذا ما وجدت معارضة من قبل من استولوا على المعالم الدينية.

ويتزامن هذا الإجراء مع إعلان وزارة الداخلية، مساء أمس الأول، عن تعيين مدير عام جديد للأمن الوطني ومدير عام جديد أيضا للمدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي.

وكانت الحكومة التونسية برئاسة مهدي جمعة، قد أعلنت عن تعيينات جديدة شملت 17 مستشاراً بالديوان الحكومي و18 والياً في البلاد من بين 24. كما ينتظر أن تشمل التغييرات مناصب أخرى مختلفة بأجهزة الدولة، تنفيذاً لمبدأ تحييد الإدارة، وبهدف التمهيد لانتخابات شفافة.

هذا وقد سيطرت مجموعات من الإسلاميين المتشددين المحسوبين على التيار السلفي الجهادي، المتمثل أساسا في تنظيم “أنصار الشريعة” المحظور، على المئات من المساجد في أنحاء البلاد عقب الثورة التي قامت عام 2011، وخاض عدد من عناصرها الذين كانوا متحصّنين داخل هذه المساجد، مواجهات مع قوات الأمن.

وتتهم أحزاب المعارضة، حكومة حركة النهضة الإخوانية بالتواطؤ مع المتشدّدين، وذلك بالتساهل معهم وعدم التعامل بجدية مع خطابهم الدينيّ المتشدد والتكفيري و”الغريب” عن المجتمع التونسي، وتتهم السلفيين بالتحريض ضد الدولة وتجنيد الشباب للجهاد في سوريا، وتوظيف المنابر الدينيّة للدعاية الحزبية.

تتهم المعارضة، حكومة النهضة الإخوانية، بعدم التعامل بجدية مع خطاب السلفيين المتشدد والتكفيري

وبالعودة إلى تصريحات سابقة لزعيم حركة النهضة، يعترف راشد الغنوشي ولو ضمنيّا بأنّه يؤسّس بالتّدريج لمشروع مجتمعيّ على النّهج الإسلاميّ، على الرغم من نفيه الدائم لهذه المزاعم. فقد كان يشدّد على أنّ تونس دولة إسلاميّة بالأساس، غير أنّ حكّامها حاولوا تغريبها وتحديثها بفصل الدّولة عن الدّين، لكنّهم حسب اعتقاده لم ينجحوا في ذلك لأنّ القوانين والمراسيم تستند إلى الشّريعة.

وإثر إعلان النهضة أنّه سيتمّ الحفاظ على الفصل الأوّل من الدستور، والذّي يحدّد دين الدولة التونسية، لم يتوان الغنوشي عن التذكير بأنّ هذا الفصل وحده كاف للقيام بأي تعديل وتحوير قانوني من أجل إدراج القوانين الإسلاميّة، مؤكدا مع ذلك أنّ النهضة لا تسعى إلى إنشاء دولة إسلاميّة، لأنّها فعلا موجودة بالأساس في تونس، وقد عبّر عن ذلك بقوله “نحن لا نفتح الأبواب المفتوحة”.

وللتذكير، فقد انطلقت مظاهرات عديدة ذات منحى متطرّف من “جامع الفتح”، الموجود وسط العاصمة التّونسية على مقربة من وزارة الداخلية، والذّي كان وزير الشؤون الدينية السابق يؤُمُّ فيه المصلين منذ 2011. حتّى أنّ الاحتجاج الدّموي في ما يسمّى بأحداث السفارة الأميركيّة التي حصلت يوم 14 سبتمبر2012، كان قد انطلق من باحة جامع الفتح.

وفي الجامع نفسه ألقى زعيم السلفية الجهادية المكنّى بـ”أبو عياض”، والمحسوب على تنظيم “أنصار الشريعة”، خطابا وسط أعداد غفيرة من أنصاره، علما وأنه كان ساعتها محل تتبّع من قبل السلطات، بسبب ضلوعه في التحريض على أعمال العنف التي جدّت أمام السفارة الأميركية وكذلك لضلوعه في اغتيال معارضين سياسيين، مُتحديّا بذلك وزارة الداخلية وأجهزة الدّولة.

ويعدّ تنظيم “أنصار الشريعة” من أبرز التنظيمات الممثلة للتيار الجهادي في تونس. وأعلنت الحكومة التونسية حظره في أغسطس 2013 وتصنيفه “تنظيما إرهابيا”، بعد ضلوع بعض من قياداته في اغتيالات سياسية.

وأمام تأزّم الوضع، التزمت حكومة مهدي جمعة بتحييد المساجد عن أي توظيف حزبي وسياسي قبل موعد الانتخابات المقررة مبدئيا نهاية العام الجاري.

وفي نفس السياق قال عبدالستار بدر “كل أسبوع سنختار من 10 إلى 15 مسجدا إلى أن نستردّ كافة معالمنا الدينية، وتعود تحت إشراف الوزارة خلال ثلاثة أشهر”، مُؤكّدا أنّ الوزارة حددت مواعيد فتح وغلق المساجد للحفاظ على هيبتها وقداستها بعد تكرر عمليات استغلالها في غير ما هو مخصص لها. وكان وزير الداخلية لطفي بن جدو حذر في فبراير الماضي، من المخاطر التي تمثلها المساجد غير الخاضعة للسيطرة وتأثيرها على معركة الدولة ضد الإرهاب. كما وجه انتقادات إلى وزارة الشؤون الدينية في ظل التحالف الحكومي المستقيل، بسبب تقصيرها في التعاون مع الجهات الأمنية لاستعادة السيطرة على المساجد.

2