حكيم الأقباط الذي أنقذ مصر من الحرب الطائفية

السبت 2013/10/05
"لو هدموا الكنائس فسنصلّي في المساجد. ولو أحرقوا المساجد فسنصلّي جميعاً في الشارع من أجل مصر"

ضرب البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، مثالا رائعا في إعلاء مصالح الوطن وأهله مسلمين ومسيحيين، فمواقفه منذ تم اختياره في 4 تشرين الثاني 2012 حمت مصر من فتن كانت تحاك من قبل جماعات اليمين المتطرف وتنظيماته وتقودها جماعة الإخوان.

لم يغادر البابا تواضروس هدوءه وحكمته ودعواته للصلاة والدعاء من أجل مصر، على الرغم من تصاعد الضغوط والممارسات الإرهابية ضد مسيحيي مصر من قبل جماعات الإسلام السياسي وتنظيماته منذ خروجها من جحورها في ثورة 25 يناير 2011 ، على الرغم من أن مجرد إعلانه عن غضبه يمكن أن يدفع بالملايين من المسيحيين للشوارع دفاعا عن أنفسهم وكنائسهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، ولم يكن أحد ليلومه.

كانت الخطط الإرهابية تستهدف استثارة البابا واستثارة المسيحيين ودفعهم إلى إطلاق شرارة الفتنة الطائفية، ليخرج شيوخ الجماعات والتنظيمات المتطرفة ودعاتها ليملأوا منابر الجوامع والزوايا والقنوات الفضائية صراخا وعويلا ودعوة إلى الدفاع عن الإسلام والمسلمين، لتشتعل الفتنة بطول البلاد وعرضها.

فوّت البابا تواضروس الكثير من المؤامرات والدسائس التي كانت تحيكها جماعة الإخوان وأنصارها تحت سمع عضو مكتب إرشادها في قصر الاتحادية الرئيس المعزول محمد مرسي وبصره، وربما أكبرها الاعتداء على الكاتدرائية الأرثوذكسية ومقتل شخصين وإصابة 66 آخرين أثناء مشاركة الآلاف في تشييع أربعة مسيحيين قتلوا في اشتباكات على يد متطرفين بمدينة الخصوص من محافظة القليوبية .

حيث هاجم مسلحون مؤيدون للرئيس الإخواني المشيعين لدى خروجهم من الكاتدرائية وهم يرددون "يسقط يسقط حكم المرشد" وغيرها من الهتافات المناهضة لحكم الإخوان والتي كان يرددها المصريون جميعا.

كان رد فعل الرئيس الإخواني ومستشاريه وحكومته وجماعته وإعلامه تواطئيا مؤامراتيا بامتياز، ليقرر البابا إلغاء عظته الأسبوعية والذهاب إلى الاعتكاف، مؤجلا تلقي العزاء في ضحايا أحداث الخصوص وكاتدرائية العباسية، رافضا لقاء الوفد الرئاسي ومحتجا على بيان قصر الاتحادية الذي صدر باسم عصام الحداد وحمّل فيه المشيعين المسيحيين مسئولية ما جرى، ولتجيء تصريحات البابا القليلة مؤكدة وعيه بمؤامرة جره وجر المسيحيين للعنف.

قال إن هناك "شبهة تقصير، وإن الوضع كان يمكن السيطرة عليه لو كان هناك قرار صائب في توقيت صائب، لكن هناك حالة عدم استقرار وتسيب بسبب رخاوة القانون"، وعبر عن ألمه بسبب "سفك الدماء وحالة عدم الاستقرار العامة في الشارع المصري"، ووجه نداء بضرورة"التحلي بالحكمة وإعمال العقل".


نعم للشريعة.. لكن


وأثناء وضع دستور 2012 الذي سيطر على جمعيته التأسيسية جماعة الإخوان والسلفيون، أعلن البابا تواضروس الثاني بابا الأقباط الجديد في مصر موافقته على المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، قائلاً "نقبل بنصها دون أي تعديل أو تغيير أو زيادة أو نقصان"، وحذر من المادة 219 التي وصفها بأنها "مادة كارثية تحوّل مصر من دولة مدنية إلى معنى مختلف تماما لذلك".

وكانت المادة 219 من مسودة الدستور منشورة على الموقع الرسمي للجنة التأسيسية لصياغة الدستور المصري وتنص على "ﻤﺒﺎدئ الشريعة اﻹﺴـﻼﻤﻴﺔ ﺘﺸﻤل أدلتها الكلية وﻗواﻋدﻫﺎ الأصولية والفقهية وﻤﺼﺎدرﻫﺎ المعتبرة في ﻤذاﻫب أﻫل السنة والجماعة"، لكن العناد الإخواني السلفي أبقاها لتكرس العنصرية والتمييز ضد الأقباط، وتفتح أبواب الفتنة على مصاريعها.

إن رؤية البابا في الأمور الدينية واضحة جلية حيث يرى أن "تطبيق الشريعة يخص المسلمين لأنها أمر ديني، وفي الأمور الوطنية وفي الأمور الاجتماعية ليس مناسبا أن تطبق على غير المسلمين، وعندما نتكلم عن الشريعة نتكلم عن تطبيقها على مسلمين عاشوا في مجتمع وحققوا في هذا المجتمع كل صور التقدم والرقي ولم يعد هناك شيء ينقص المجتمع، فعندما يطبق أي بند من بنود الشريعة يبقى المجتمع مؤهلا، فمثلا إذا كان في المجتمع من لا يجدون طعامهم فكيف يمكن تطبيق الشريعة عليهم، مجتمعنا لم يؤهل بعد". لقد أيقن البابا أن لا فائدة من الحوار أو التعاون مع الرئيس الإخواني وجماعته وحلفائهما من السلفيين والجهاديين والتكفيريين، فاعتزل كافة موائد الحوار التي دعت إليها الرئاسة أو جماعاتها، حيث رأى أن الحوار انتهى قبل أن يبدأ كونه لا يحقق أهداف الأمة كلها، وقال "يجب ألا نفوّت أية فرصة للحوار ويجب أن نكون جزءا من أي لقاء يحقق مصالحة الأمة، لكن وجدنا أن الحوار الحالي انتهى قبل أن يبدأ ولن يتم تنفيذ أيّ من نتائجه، لذلك أعلنا أنه لن يكون في صالح الأمة".

مسيرته نحو البابوية
*ولد البابا تواضروس الثاني في 4 تشرين ثان 1952 بمدينة المنصورة، باسم وجيه صبحي باقي سليمان لأسرة مكونة منه كأخ لشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة وسوهاج ودمنهور.

*حصل على بكالوريوس الصيدلة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف جامعة الإسكندرية فى يونيو 1975، ثم زمالة هيئة الصحة العالمية بإنكلترا في يونيو 1985، وبكالوريوس الكلية الإكليريكية في تشرين ثان 1983.

*بعدها عمل مُديرًا لمصنع أدوية بدمنهور تابع لوزارة الصحة قبل الرهبنة، حيث ذهب إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون في 20 أغسطس 1986، وترهبن في 31 يوليو 1988، وتمت رسامته قسًا في 23 كانون أول1989.

*انتقل للخدمة بمحافظة البحيرة في 15 فبراير 1990، ثم نال درجة الأسقفية في 15 يونيو 1997، وفي 4 تشرين ثان 2012، تم اختياره عن طريق القرعة الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118.

*تم تجليسه كبابا للإسكندرية وبطريرك للكرازة المرقسية في قداس الأحد 18 تشرين ثان 2012 برئاسة القائم مقام البطريرك الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية.


علاقة وثيقة بالأزهر


لكن البابا قبل مشاركة ممثلين عن الكنيسة في الحوار الذي دعا إليه الأزهر نهاية أبريل 2013 وخرج بوثيقة لـ"نبذ العنف" دعمها البابا في عظته الأسبوعية "في بلادنا بعض مشاهد العنف، وباسم الكنيسة ننبذ العنف، وكل صورة يظهر فيها شعب مصر وكأنه يتقاتل، ونصلي من أجل هذا السلام ونشارك بقلوبنا وجهودنا من أجل السلام الاجتماعي والاستقرار".

كما قبل وفد الأزهر الذي جاء لتقديم واجب العزاء في ضحايا الخصوص والكاتدرائية مؤكدا تقديره للدور الذي يلعبه الأزهر في تخفيف المشاكل التي يمر بها الوطن والتصدي لها، ومن جهة أخرى حملت وثيقة الأزهر إشارات واضحة لنبذ العنف خاصة الطائفي "حمايةُ النَّسيجِ الوَطَنِيِّ الواحدِ من الفِتَنِ الطائفيَّةِ المصنوعةِ والحقيقيَّةِ، ومن الدَّعواتِ العُنصُريَّةِ، ومن المجموعاتِ المسَلَّحةِ الخارجةِ على القانونِ، ومن الاختِراقِ الأجنبيِّ غيرِ القانونيِّ، ومن كُلِّ ما يُهدِّدُ سَلامةَ الوطَنِ، وتضامُنَ أبنائِه، ووحدةَ تُرابِه".

دخل البابا منذ اعتلائه كرسي البابوية في تحالف وطني كامل مع الأزهر ممثلا في فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وهو تحالف ليس جديدا في تاريخ الكنيسة والأزهر، لكن الظروف التاريخية للبلاد التي واجهت كليهما ألقت المزيد من الضوء عليه كاشفة عمق العلاقة وتاريخيتها، فالكنسية المصرية والأزهر يمثلان جناحي الأمتين المسيحية والإسلامية ليس في مصر وحدها ولكن في العالم أجمع، وتاريخ الكاتدرئية والأزهر تمتد جذوره في عمق التاريخين المسيحي والقبطي.


دعم ثورة 30 يونيو


وقد أثبت كل من الأزهر والكنيسة من خلال مواقفهما الأخيرة عقب دعوة الرئيس المعزول لهما قبيل ثورة 30 يونيو، استقلاليتهما وعدم تبعيتهما لمؤسسة الرئاسة والحكم، فقد اشترط الإمام الأكبر لقبول لقاء الرئيس المعزول حضور البابا تواضروس، وخرج كلاهما من اللقاء رافضين ضغوط تحريم الخروج في تظاهرات 30 يونيو.

ووصف البابا يوم الـ 30 من يونيو بالثورة الثانية في البلاد قائلاً "الشعب خرج يوم 30 يونيو 2012 لاختيار الرئيس وفي عام 2013 خرج للتعبير عن رأيه مرة ثانية، والجميع حر في التعبير عن رأيه والكنيسة جزء من المجتمع ولها دور اجتماعي".

وأضاف "لا يوجد توجيهات في الكنيسة عن النزول أو عدمه في المظاهرات وللجميع الحرية الشخصية في ذلك"، مضيفاً "عمل الكنيسة روحي وليس سياسياً".

وأعلنت مؤسسة الأزهر تعرضها لضغوط كبيرة من أجل إصدار بيان لتحريم الخروج في تظاهرات 30 يونيو، وأن ذلك غير جائز شرعا، وهو ما لم تستجب إليه المؤسسة الأزهرية وأصدرت بيانا أكدت فيه أن المعارضة السلميَّة لولي الأمر الشرعي جائزة شرعًا، وأن الأزهر يدعو إلى الوفاق ويحذر من العُنف ومن تكفير الخصوم واتهامهم في دينهم، مؤكدا أن المفتين بذلك منحرفون عن صحيح الإسلام، "إنَّ المعارضةَ السلميَّة لولي الأمر الشرعى جائزةٌ ومُباحة شرعًا، ولا علاقَةَ لها بالإيمان والكُفرِ، وإن العُنْف والخروج المُسلَّحَ مَعصِيةٌ كبيرةٌ ارتكبها الخوارِجُ ضِدَّ الخُلفاء الراشدين ولكنَّهم لم يَكفُروا ولم يخرجوا من الإسلام".


مواقف لافتة


وتتواصل مواقف البابا تواضروس التاريخية، حيث بارك خارطة الطريق التي تم وضعها من قبل المؤسسة العسكرية وشارك فيها ودعمها، وتم إعلانها يوم 3 يوليو في حضوره وحضور شيخ الأزهر وممثلي القوى المدنية والمؤسسة العسكرية، وقال إنها "تضمن سلامة الوطن خلال المرحلة الانتقالية، وتسعى للمشاركة الفعالة من جميع أطراف المجتمع للعبور الآمن للبلاد من المرحلة الانتقالية الصعبة".

وعندما تصاعدت التهديدات واستمرت الاعتداءات، قال "لو هدموا الكنائس فسنصلّي في المساجد. ولو أحرقوا المساجد فسنصلّي جميعاً في الشارع من أجل مصر".

وتصدى البابا للموقف الأميركي المناهض لثورة 30 يونيو، والداعم للإرهاب الإخواني عامة وضد الأقباط خاصة وقال "إن الإدارة الأميركية من الواضح أنها تقيم قراراتها على أساس المنفعة والمصلحة، وأنها قد تضرب بأصدقائها عرض الحائط خوفا على مصالحها"، ذاكرا أنه بالأمس القريب كان الأميركان يضخمون الأمور بسبب حادث حرق كنيسة واحدة صغيرة، مستخدمين ورقة الأقليات والحريات وحماية الأقباط.

أما اليوم ومع هذا الكم الضخم من الاعتداءات على الكنيسة بشكل عام فلم تحرك ساكنا، الأمر الذي يجعلنا نضع علامة استفهام كبيرة حول هذا الأمر. وأضاف أنه لا يعقل أن أميركا تصم آذانها عن صوت الشعب المصرى كله وتقف صاغية لصوت جماعة بعينها.

أيضا تصدى لمغالطات الإعلام الغربي لتصدر الكنيسة بيانا بأكثر من لغة أجنبية تعلن فيه استنكارها "للمغالطات التي تبثها وسائل الإعلام الغربية ودعوتهم إلى مراجعة موقفها من دعم الجماعات المتطرفة".

وأعرب عن رفضه الشديد للتطاول من قبل رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على شيخ الأزهر الذي يعد أحد الرموز الوطنية المخلصة وصمام الأمان فى مصر، مشددا على رفضه التدخل الخارجى في شئون مصر الداخلية.

وأوضح أنه عندما جاءت ثورة 30 يونيو العظيمة، كان لابد للأزهر الشريف والكنيسة أن يساندا الشعب المصري والجيش والشرطة، وهذا دفع كثيرين من الخارج إلى أن يتطاولوا عليهما.

13