حكيم العاقل فنان يقاوم من أجل الجمال

فنان وهب أهله اليمنيين إمكانية التحليق في عالم، يعدهم بالسلام، حيث لا حرب ولا محاربين.
الأحد 2018/12/23
الهارب بيمنه السعيد إلى الرسم

ما الذي يمكن أن يفعله الفنان حين يجد نفسه وحيدا بين متحاربين؟ سيختار أن ينأى بعيدا إلى موقع، يكون فيه قادرا على تخيل وقائع حياة عادية. حياة يمكن النظر إليها باعتبارها نوعا من المكافأة.

وهو ما فعله حكيم العاقل حين قرر أن تلك الحرب التي تشهدها بلاده ليست حربه فاختار الذهاب إلى المنفى بعد معرض “تعويذة الأرض” الذي أقامه في البحرين.

لم يهرب الفنان من ملعب، شاء القدر أن يزج به فيه حين قرر أن يصنع له مصيرا ينسجم مع عالمه الفني وإن كان في ما مضى قد حاول أن يصرخ في وجوه اللاعبين محتجا من خلال معرضه “الحرب والسلام”.

ولأن العاقل رجل حياة ثرية بالأحلام فقد كانت رسومه تعد بترف ورهافة، حاول من خلالهما أن يصف الحقيقة قافزا على الواقع البائس. “هناك تكمن حقيقة الإنسان اليمني السائر نائما بين حقول الحكايات”.

احتفال شعري بالحياة

صوّر العاقل، كما فعل جيل سبقه من الرسامين اليمنيين، الحياة اليومية اليمنية كما لو أنها نوع من الاحتفال الدائم بالمعنى العميق الذي تنطوي عليه. لذلك بدت رسومه لمَن لا يعرف اليمن خيالية، تخون الواقع في لحظة إلهام.

قد يبدو ذلك الحكم جارحا لفنان واجه القسوة بالأمل، غير أن الصحيح أن الفنان يعرف أكثر منا ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان يمنيا. هناك الحكاية وهناك صانعها. وهما بالنسبة للفنان الشيء نفسه.

Thumbnail

ولأن اليمن كنز الحكايات العربية المحلقة بروح شعريتها فقد وجد العاقل فرصته في أن يصف ما يراه بطريقة هي أقرب إلى الشعر من النثر الذي تعيقه التفاصيل عن الوصول إلى رعشة الوجود.

يستعين العاقل بالزخرفة التي يخترع مناسبات تصويرية لها رغبة منه في أن يقبض على الإيقاع الموسيقي الذي تنطوي عليه المشاهد التي يستلهمها من عروض الحياة اليومية.

وهو ما دفعه أحيانا إلى أن يستعير عين الطائر ليبلغنا أن تلك المشاهد لا تُرى إلا من قبل كائن محلق هو الرسام. لم يكتف العاقل بالتحليق بل وهب أهله اليمنيين إمكانية التحليق في عالم، يعدهم بالسلام. حيث لا حرب ولا محاربين.

بوح تعبيري آسر

ولد العاقل عام 1965. والتحق بالدراسة الفنية في مرسم الفنان هاشم علي. ليدرس فن الجداريات في موسكو، لاحقا، إضافة إلى تخصصه بتاريخ الفن ونظرياته.

 في حياته العملية تبوّأ العاقل عدة مناصب في مقدمتها منصب مستشار وزير الثقافة والسياحة. غير أنه، وبالرغم من مناصبه الرسمية الرفيعة، ظل مخلصا لفنه بل إنه وظف تلك المناصب من أجل خدمة الفن في بلده وتطويره، من خلال استضافة كبار الفنانين والمهتمين بالعرب من العرب والعالميين.

ما تعلمه العاقل في موسكو يبدو حاضرا في عالمه. واقعيته التعبيرية لم تخل من شيء من التأثر بقواعد وأسس بناء الجداريات وبالأخص على مستوى التكوين. لا تناقض في ذلك مع شعرية المشهد الذي يرسمه فقد كان الإيقاع الشعري لديه داخليا، يتصل بطبيعة العلاقة التي تقيمها كائناته بالعالم. وهي علاقة تظل على قدر كبير من السرية. وهو ما أنقذ الفنان من الوقوع في الوصف السردي. فالمشاهد التي صورها الفنان تبدو كما لو أنها ملتقطة من مكان خفي لما تنطوي عليه من بوح آسر.

Thumbnail

رسم العاقل نساءه بطريقة أقرب إلى الغزل منها إلى الوصف غير أنه لم ينس المشهد اليمني الذي يحيط بهن. وإن لم يكن ذلك المشهد حاضرا فإن الرسام لجأ إلى حيلة الزخرفة التي استعارها من الفرنسي هنري ماتيس ليؤكد من خلالها يمنية نسائه. نساء يمنيات كما لم يرهن أحد. هن نساء الداخل اليمني اللواتي تنقلهن رسوم العاقل إلى العالم الخارجي. وهو ما يفرد لتلك الرسوم مساحة في الكشف عن عالم يقع خلف أسوار التقاليد.

عالم العاقل هو عالم النساء الجميلات اللواتي يقدمن صورة عن يمن سعيد، هو موطن الحياة السحرية. ومن غير نظريات مسبقة، صنع معادلته المتوازنة التي تجمع بين التراث والمعاصرة. فهو رسام معاصر بكل ما ينطوي عليه ذلك المفهوم من معان وهو في ذات الوقت كان حريصا على استعمال الوحدات التراثية متمتعا بغناها الجمالي الذي اعتبره عاملا مساعدا للوصول إلى ضالته.

لا يخرج العاقل في ذلك من دائرة فنانين يمنيين سبقوه غير أنه تفوق عليهم في اللون. العاقل رسام تسحره الألوان المبهجة. معجمه اللوني متشعب وواسع بحيث يمكن القول إنه يضع اللون ليصغي إلى صوته. فلكل لون صوت يميزه وهو ما يعيده إلى الموهبة اليمنية في استنطاق الطبيعة شعريا.

العاقل رسام معاصر بقوة انتمائه إلى محليته. يخطئ المرء حين يظن أنه اتبع خطط الرسامين المستشرقين في النظر إلى موضوعه اليمني بالرغم من أن المشاهد التي صورها تبدو لأول وهلة كما لو أنها قد صُنعت من أجل أن تصوّر. غير أن العاقل وهو ابن البيئة التي يصور مشاهدها الداخلية كان حريصا على أن تبدو رسومه أشبه بالاعترافات الشخصية.

يعترف العاقل من خلال رسومه بأنه عاش ذلك الزمن اليمني الجميل. اعتراف هو بمثابة وثيقة جمالية، سيكون على الأجيال اليمنية القادمة أن تضعها موقع تقدير لكي تتعرف على نفسها. من خلال تلك الوثيقة يقدم الرسام حلا خياليا لمشكلات الواقع. فاليمن الذي يراه ويصفه ويتخيله هو ليس يمن المتحاربين الذين اتبعوا حناجرهم بدلا من أن يتبعوا خيال القصائد.

رسام المرئيات

Thumbnail

في الجزء الأكبر من تجربته الفنية كان العاقل يبدو كما لو أنه فنان تجريدي بالرغم من هيمنة الواقعية التعبيرية على تلك التجربة. تجريديته تكمن في التفاصيل كما في المساحات، هناك حيث استسلم فيها الفنان لحريته المطلقة.

العاقل هو رسام مرئيات، غير أنها مرئيات متخيلة بسبب الطابع الشعري الذي أضفاه الرسام عليها وهو ما سمح له بأن يتحرر من واقعيته ليكون وفيا للتكوين الذي تخلله قدر لافت من التجريد. وهو تجريد ليس مقصودا لذاته، غير أنه يظل مؤثرا على مستوى النظر المباشر.

قد يرى المُشاهد ما لم يكن الفنان قد رآه في أعماله. وهو أمر سيكون فيه قدر من التأويل البصري الذي ينقل التجربة الفنية من سياقها المباشر إلى سياق مختلف، يكون فيه الرسام والمُشاهد بمثابة حليفين. غير أن ألأهم في تجربة العاقل، وهو الفنان الذي قاوم الحرب ونجا منها بفنه، أنها تضعنا في قلب الحقيقة التي يفر من مواجهتها المتحاربون. هناك يمن آخر. هو ذلك اليمن الذي لم تتمكن منه الحرب. هو يمن حياة الناس العاديين المتخيلة. تلك هي خزانة الرسام الجمالية وهي ذاكرته التي يبشر من خلالها بالسلام.

حكيم العاقل لا يرثي من خلال رسومه بلاده بقدر ما يحاول أن يسعدها مثلما يُسعد مشاهدي لوحاته. هو داعية أمل بالرغم من أنه يعرف أن أمله لن يتحقق إلا إذا حلم يمنه بالطريقة التي يحلم بها.

هو رسام منذور للسعادة في مواجهة تعاسة الواقع الزائل. ذلك ما يشجعه على مقاومة الواقع فهو يعرف أن الجمال لا يُهزم. الجمال يبقى.

Thumbnail
9