حكيم الله محسود.. الاغتيال الذي سيقصم ظهر السلام في باكستان

الجمعة 2013/11/08
أميركا تعدّ محسود الرجل الأخطر بين المطلوبين لديها

لم تخطئ "درون" الطائرات الأميركية من دون طيار هذه المرة وتمكنت من إصابة الهدف بكل دقة، والتي غالبا ما تشن غارات تستهدف متشددين متسببة في خلق توترات بين واشنطن وإسلام أباد. نجحت إذن في هذا الظرف الدقيق في القضاء نهائيا على حكيم الله محسود بعد توجيه أربعة صواريخ إلى سيارة كان يستقلها مع حارسيْه الشخصييْن وإثنين آخرين، كانت كافية لقتلهم جميعا.

محسود الذي لن يحسده أحد على الطريقة التي مات بها، هو زعيم حركة طالبان باكستان وأحد أهم قادتها العسكريين، وموته سيفتح المستقبل على العديد من الاحتمالات، مستقبل علاقة طالبان باكستان مع الحكومة ومع الولايات المتحدة التي تعده الرجل الأخطر بين المطلوبين لديها.

ويرجح المتابعون أن يرجّ هذا الاغتيال العلاقة الأميركية الباكستانية ولو بالقدر القليل، خاصة وأن باكستان تلعب دورا أساسيا ومحوريا في مقاربة واشنطن للمنطقة وفي تفادي اندلاع حرب أهلية جديدة في أفغانستان بعد انسحاب قوات الحلف الأطلسي عام 2014. حكيم الله الشاب الثلاثيني الذي قتل قرب ميرانشاه كبرى مدن وزيرستان الشمالية، المنطقة القبلية شمال غرب باكستان التي تعتبر معقل الحركات الإسلامية المسلحة في المنطقة، يعتبر العديدون أن اغتياله سيخلف عدة عراقيل في رغبات السلام الذي تريده إسلام أباد مع الحركة. ونظرا لأهمية محسود ولأهمية الفترة التي تمر بها علاقات الحكومة الباكستانية مع طالبان باكستان ولتداعيات الاغتيال، عدنا هنا للتعرف على شخصيته بأكثر تفاصيل.

حينما كان مغادرا لاجتماع مهم لحركته في مسجد في منطقة «دانديدارباخل»، شمال وزيرستان، لم تمهله صواريخ "درون" ليكمل طريقه في الجهاد ضد واشنطن وحلفائها في المنطقة، وانتهت حياة محسود مخلفا حالات من الحزن في صفوف حركته وأجواء من الفرح والشعور بالنصر عند أميركا وأعدائه المختلفين.

إدارة الرئيس باراك أوباما اعتبرت مقتل محسود تقدما كبيرا في إثبات نجاح الغارات بالطائرات المسيرة عن بعد وأنها لا تنطوي على أضرار جانبية في صفوف المدنيين.

حكيم الله غابت عنه الحكمة هذه المرة ولم يختر الطريق الآمن، وبقدراتها الاستخباراتية نجحت واشنطن في اقتناصه، لكن في الحقيقة أن الرجل رغم صغر سنه ورغم تجربته المحدودة نسبيا في مقاومة أميركا إلا أنه كان من الذين يعكرون صفوها ونشوتها ببعض الإنجازات، فمن يكون محسود.

حكيم الله محسود واسمه الأصلي جمشيد محسود مولود سنة 1979في قرية صغيرة في منطقة كوتكاي في جنوب وزيرستان في قلب المناطق القبلية، وكان تعليمه الوحيد في مدرسة بإحدى القرى الصغيرة في مقاطعة هانغو شمال غرب باكستان وكان زميلا لبيت الله محسود في نفس المدرسة. وهو ينتمي إلى قبيلة محسود التي تشكل الجزء الأكبر من مقاتلي طالبان الباكستانية، وقد بدل اسمه الحركي "ذو الفقار" ليصبح حكيم الله.

ومع بداية عقده الثالث، اشتهر في صفوف طالبان بمهاراته القتالية وبأنه العقل المدبر لعمليات الحركة ضد قوافل إمدادات حلف شمال الأطلسي (ناتو) بأفغانستان عبر ممر خيبر الباكستاني.

انضم إلى صفوف المجاهدين وعمل في بداياته حارسا شخصيا ومساعدا لزعيم طالبان باكستان الراحل بيت الله محسود. واكتسب سمعة داخل الحركة نظرا لمهارته وشراسته في قتال الخصوم.

بزغ نجمه في صفوف الحركة التي تأسست عام 2007 بهدف إطلاق "الجهاد" ضد حكومة إسلام أباد المتحالفة مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، إثر سلسلة عمليات قادها ضد القوات الباكستانية، وكان من أبرزها اختطاف ثلاثمائة جندي من الجيش الباكستاني في جنوب وزيرستان. وطالبت الحركة حكومة باكستان بتسليمها عددا من كبار قادتها مقابل إطلاق الجنود المحتجزين لديها، وتم لها ما أرادت.

تولى قيادة طالبان باكستان في أغسطس 2009 خلفا للزعيم السابق بيت الله محسود الذي قتله صاروخ أطلقته طائرة بدون طيار تتحكم فيها الاستخبارات المركزية الأميركية في معقله جنوب وزيرستان على الحدود مع أفغانستان.

وجاءت الغارة التي استهدفت بيت الله محسود وقتها بعد أن اشتكى المسؤولون الباكستانيون مرارا من أن الأميركيين لا يتصرفون بحزم إزاء المجموعات المسلحة التي تهاجم أهدافا داخل باكستان.

وكان محسود لا يحبذ السرية التي التزمها القادة السابقون، ويظهر محسود وهو يتجول أمام الكاميرات ويطلق النار من رشاش أو قاذفة صواريخ. وذلك الظهور الإعلامي كاد يكلفه حياته أكثر من مرة.

في 14 كانون الثاني عام 2010، أعلن متحدث باسم طالبان باكستان أن زعيم الحركة نجا من غارة جوية نفذتها طائرة أميركية من دون طيار على مجمع في شمال وزيرستان.

وتأتي هذه العملية بعد أيام من ظهوره في تسجيل مصور برفقة الأردني همام البلوي منفذ هجوم في خوست حيث قتل نهاية العام 2009 سبعة من ضباط وكالة الاستخبارات الأميركية. وبعد صمت طويل ظهر مجددا مطلع يونيو من العام نفسه في تسجيلات فيديو هدد فيها بمهاجمة مدن أميركية كبيرة، ومنذ ذلك الحين، لم يعد يظهر في وسائل الإعلام إذ أن مسؤولين في القاعدة أمروه بـ"الكف عن إثارة ضجيج".


لماذا محسود


"أهدافنا تتمثل في أميركا وأصدقائها" هذه الجملة تعكس الغاية التي من أجلها برزت حركة طالبان باكستان وماهي الأجندا الحقيقية لها، وذلك لم يكن خافيا على المخابرات المركزية لذا كان قادة الحركة من المطلوبين المهمين الذين تجب تصفيتهم. ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية نأت بنفسها عن الاتهامات الباكستانية بأن الغارة التي أدت لمقتل زعيم طالبان في باكستان قضت على عملية السلام في البلاد، فإن واشنطن لم تخف سعادتها بنجاح عملية الاغتيال.

فمحسود اسمه مدرج في قائمة المطلوبين وقد اتهمه القضاء الفدرالي الأميركي بعدة تهم منها التآمر وذلك لضلوعه في الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل سبعة عناصر في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في إحدى قواعدها المحصنة في شرق أفغانستان نهاية كانون الأول 2009 في أعنف هجوم على الوكالة منذ العام 1983.

وفي نفس ذلك اليوم أدرجت واشنطن حركة طالبان الباكستانية على لائحة المنظمات الإرهابية الدولية وعرضت خمسة ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومات تسمح باعتقال محسود.

وكانت حركة طالبان الباكستانية أعلنت في كانون الأول 2007 ولاءها لتنظيم القاعدة، وقررت الجهاد ضد إسلام آباد مع أسامة بن لادن، لمعاقبة باكستان على دعمها الحرب على أفغانستان التي تشنها واشنطن. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني إن زعيم طالبان باكستان على صلة بمخطط تفجير ميدان تايمز سكوير في نيويورك عام 2010 والذي باء بالفشل. وأضاف كارني "إن محسود اتهم بالتعاون مع أشرار لقتل أميركيين في الخارج".

ولأهمية محسود كانت الحكومة الأميركية قد رصدت مكافأة قيمتها خمسة ملايين دولار نظير رأس حكيم الله والذي يعتقد أنه مسؤول عن وفاة آلاف الأشخاص.


تصفية في مرحلة دقيقة


حادثة الاغتيال وإن جاء في مرحلة دقيقة من تاريخ العلاقة بين حكومة إسلام أباد وطالبان فإنه يمثل نجاحا لبرنامج الطائرات بدون طيار الذي تطبقه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه) لاستهداف ناشطين، بينما تواجه هذه الغارات انتقادات حادة لأنها تؤدي إلى مقتل مدنيين.

لكن الولايات المتحدة تعتبر هذه الضربات أداة أساسية لمحاربة الناشطين في المناطق القبلية، حيث سمحت لها بقتل بيعة الله محسود زعيم طالبان باكستان السابق، والرجل الثاني في هذا التنظيم ولي الرحمن، وأحد قادة تنظيم القاعدة أبو يحي الليبي.

ويشكل مقتل حكيم الله محسود ثاني ضربة كبرى لحركة طالبان الباكستانية في أقل من شهر إثر اعتقال قائد كبير آخر من قبل القوات الأميركية في أفغانستان.

الأهمية التي كان يحظى بها محسود هي التي عجلت بملاحقته واغتياله، ويذهب بعض المتابعين للمشهد الباكستاني أن الهجوم الذي حصل تم بالتنسيق بين المخابرات العسكرية ووكالة المخابرات المركزية لأن محسود عدوهما المشترك.

فهو الذي مافتئ يهدد المصالح الأميركية في داخل باكستان وخارجها، بالإضافة للاتهام الذي وجهته له وكالة المخابرات المركزية والمتمثل في التحالف مع شبكة سراج الدين حقاني، وفلول القاعدة في وزيرستان الشمالية وفي إرسال محاربين لقتال القوات الأميركية والأطلسية بأفغانستان.

كما تعتبره المخابرات العسكرية الباكستانية العدو الأول لها؛ نظرا للعمليات الانتحارية التي قام بها ضد الجيش والأجهزة الأمنية، التي أسفرت عن مقتل قيادات هامة بالجيش بما في ذلك 4 برتبة لواء، آخرهم الجنرال ثناء الله خان نيازي، الذي سقط مع 3 ضباط آخرين أحدهم برتبة رائد، بكمين للحركة في 15 أيلول الماضي.

أحداث مهمة في تاريخ محسود
قيادة سلسلة من عمليات ضد القوات الباكستانية سنة 2007 جعلته يبرز في صفوف الحركة.

أصبح المتحدث الرئيسي باسم بيت الله محسود.

نجح في تحقيق أبرز عملياته والمتمثلة في خطف 300 من جنود الجيش الباكستاني في جنوب وزيرستان.

ولم تكتف طالبان الباكستانية بذلك، بل وضعت في 29 أيلول الماضي على الشبكة العنكبوتية فيديو يبين كيف نصبت الكمين الذي قتل الجنرال نيازي.

ووقعت تلك العملية عندما كان رئيس الوزراء نواز شريف يؤكد حرصه على عقد حوار مع الحركة لإيجاد حل سلمي للأزمة بين الحركة والجيش. بل إن حركة طالبان أصرت على أنها ستستمر باستهداف الجيش والأجهزة الأمنية حتى خلال عملية الحوار، مطالبة أيضا بإطلاق سراح سجنائها وسحب الجيش من وادي سوات ومناطق القبائل الباكستانية.

ونظرا لكل التهم الموجهة لمحسود ولحركته فإن اغتياله كان أمرا مفرحا بالنسبة لواشنطن وللمخابرات العسكرية الباكستانية رغم دقة المرحلة. لكن الاغتيال خلف وسيخلف الكثير من التداعيات.


تداعيات الاغتيال


أهمية الرجل عجلت في اغتياله ولكن ذلك الاغتيال خلف جملة من التداعيات في صلة مباشرة بعلاقة الحكومة الباكستانية بأميركا وبردة فعل حركة طالبان تجاههما الاثنين.

ورغم أن السلطات الباكستانية كانت قد عرضت في تشرين الثاني سنة 2009 مكافأة مقدارها ستمائة ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال أو قتل حكيم الله، إلا أنها عبرت عن استيائها بعد حادثة اغتياله نظرا لأنها كانت تراهن على مباحثات مع طالبان لإحلال السلام في البلاد.

وقال رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف إن مقتل زعيم طالبان الباكستانية حكيم الله محسود شكل ضربة قوية لمحادثات سلام مقترحة، مضيفا: "بدأ الجليد في الذوبان، وكانت الاتصالات قد بدأت في الاتجاهين.

في هذه الظروف، وجهت هجمات الطائرات بدون طيار ضربة قاصمة للمفاوضات وجهودنا الرامية إلى تحقيق السلام، ولكننا نأمل في إعادة عملية السلام إلى مسارها الذي حادت عنه".

وقال إن "حكومتي عازمة بقوة على وضع حد لدوامة المذابح وأعمال العنف، لكن لا يمكن إنجاز ذلك بين ليلة وضحاها ولا حتى بنشر قوة متهورة ضد مواطنينا قبل بذل جهود من أجل إعادة العناصر الضالة في مجتمعنا إلى الطريق القويم".

وقال وزير الداخلية الباكستاني، شودري نصار علي خان:"جميع جوانب التعاون مع الولايات المتحدة والعلاقات معها ستخضع للمراجعة في أعقاب الوضع الذي تشكل بعد مقتل محسود".وأضاف: "لا يتعلق الأمر بمقتل شخص واحد ولكن بالقضاء على جميع جهود السلام".

أما بخصوص طالبان باكستان فقد قال المتحدث باسم طالبان شهيد الله شهيد لوسائل الإعلام إن القائم بأعمال زعيم الحركة عصمت الله شاهين رفض الخوض في أي عملية سلام مع الحكومة، ونقل عن شاهين قوله: "لن نجري أي محادثات مع عبيد الأميركان" في إشارة إلى الحكومة الباكستانية.

ويذهب مراقبون إلى القول أن الاغتيال سيزيد من توترالعلاقات بين إسلام أباد وواشنطن مما قد يجد المسوغات المختلفة لردود أفعال طالبان المحتملة. ويقر المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني باستمرار "التوتر" في العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد، ولكنه أشار إلى "الحوار القوي المتواصل الذي نجريه مع باكستان بخصوص جميع جوانب علاقتنا الثنائية واهتماماتنا المشتركة".

كل الدلائل تشير إلى أن اغتيال حكيم الله محسود لن يمر دون رد من حركة طالبان، لكن العديد من المتتبعين يتساءلون هل ستلغي ردود طالبان عملية السلام المتعثرة أصلا وتفتح المشهد الباكستاني على الجحيم مجددا؟

12