حكيم مرزوقي الجار الثامن الذي تنساه تونس

مسرحي تونسي يعتبر أن الراوي الذي لا يتقن فن الكذب راو فاشل، باعتبار أن الكذب هو الإبداع المسكوت عنه.
الأحد 2020/08/09
مسرحي يسخر من الوجود ويعيشه بمتعة

التونسيون هم الشعب الوحيد الذي تشربه القهوة ولا يشربها. والتونسي هو الوحيد، دون سائر شعوب الأرض، يجتاز الطريق من جانب إلى جانب آخر، دون أن يلتفت يمينا أو يسارا، أو ينظر خلف ظهره. المعرفة السطحية السريعة تعطي انطباعا خاطئا عن الشخصية التونسية؛ فالتونسي يبدو للغرباء حاد الطباع، متهورا، لا يجيد لغة الاعتذار، ولا يحسن حديث المجاملات.

هذه الصورة تحجب حقيقة أخرى، مخالفة تماما للشخصية التونسية الحقيقية، التي لا تكشف عن أسرارها إلا بعد فترة طويلة من المعاشرة، فالتونسي يضمر عكس ما يظهر. إن كنت ضيفا جديدا على تونس ستحتاج بعض الوقت لتكتشف أن التونسي هو الأكثر تسامحا بين سكان شمال أفريقيا، والأكثر ودا وألفة.

فهمتني.. ولّا لأ؟ عبارة تبدو للزائر إعلان حرب وتهديد. ولكن، عندما يستخدم معك التونسي لغة تبدو لك متشنجة ومليئة بالكلام الخارج عن أصول الإتيكيت، فاعلم أنه يحبك. هكذا هو التونسي، يشتمك تعبيرا عن الحب. وكلما زاد حبه لك زادت شتائمه.

في الغالب، لن تجد تونسيا يقول لك تفضل، بل يقول لك بصيغة الأمر “خذ”. وعندما يقول لك سامحني فهو لا يقولها طلبا للسماح.

شخصية التونسي

وبالطبع لا يتوقع التونسيون أن يصفهم أحد بهذه الطريقة، وهذا في الحقيقة يظهر جانبا آخر من شخصيتهم وهو التواضع. نعم، التونسي الذي يبدو لك للوهلة الأولى فظا، هو كائن متواضع، وإن كان الوحيد من بين شعوب الأرض يقول: نحن التوانسة.

هو لا يقولها استعلاء، بل تأكيدا لهويته، وهي هوية تجمع بين هويات العالم وتصهرها في شخصية واحدة، إن منحت نفسك فرصة لفهمها ستحوز على أفضل جائزة في العالم.

تقلبات حياته تشبه تقلبات شخصيته، ففي دمشق عمل مرزوقي مستشارا ثقافيا وصحافيا وحتى زبالا، كي يدفع إيجار غرفته.
تقلبات حياته تشبه تقلبات شخصيته، ففي دمشق عمل مرزوقي مستشارا ثقافيا وصحافيا وحتى زبالا، كي يدفع إيجار غرفته

إذا أردت أن تكتشف شخصية التونسي، أمامك خيار من خيارين؛ إما أن تتعرف على صديق مثل حكيم مرزوقي، أو تتردد على خمارات البلد المنتشرة وسط العاصمة تونس.

تتباهى لندن بأفخر الحانات، ولكنها حانات متشابهة؛ نفس الرواد، ونفس الأجواء، صعب أن تخرج منها بتجربة شخصية تغنيك روحيا. حانات تونس لا تتشابه، في كل واحدة منها قصة تروى، تختلف عن الأخرى. وقد يحالفك الحظ فتصادف مرزوقي في واحدة منها.

عندها، احرص على مجالسته، فهو النديم والراوي الذي سيتحفك بالمئات من القصص، ولن ينسى أن يضيف عليها بعضا من توابله الخاصة. فحكيم، وهو بذلك على حق، يعتبر أن الراوي الذي لا يتقن فن الكذب، راو فاشل. فالكذب كما يؤكد، هو الإبداع المسكوت عنه.

هو صاحب فكرة ”الجار الثامن“ الذي لم يوص به النبي. كتب عنها وكرّسها لمرارتها ومفارقتها. في اشتقاق من الحديث النبوي الشهير الذي أوصى بالجيران حتى الجار السابع، أما الجار الثامن فسيهمله الجميع، ولعل هذا ما في تلك المفارقة من فكرة مثيرة ومدهشة ما يجعلها تنطبق على كثيرين ربما كان مرزوقي من بينهم. وقد تحوّلت هذه الفكرة إلى واحدة من بين أبرز أعماله الشعرية.

ولكن، احذر أن تدمن الجلوس إليه، سيسرقك من نفسك ومن عائلتك، فهو آخر أحفاد أبونواس القائل “عـاج الـشقي عـلى رسم يسائله وعـجت اسـأل عن خمارة البلدِ”. الحياة دون أمثال حكيم لا طعم لها و”لا يعول عليها”.

هل تريد أن تتعرف على طوائف دمشق وأنهج دمشق وحارات دمشق وخمارات دمشق ومثقفي دمشق وفناني دمشق؟ عليك إذا بحكيم، الذي عرفت مؤخرا أن اسمه عبدالحكيم، سقط منه عبد، وبقي حكيم. وما ينطبق على دمشق ينطبق أيضا على بيروت، والقاهرة، وبغداد وصولا إلى باريس. إذا كنت منتجا سينمائيا، أو مسرحيا، اجلس إلى حكيم، واحمل معك آلة تسجيل، أو ورقة وقلما، وبضعة زجاجات من البيرة التونسية، أو النبيذ التونسي الرخيص، ولكن الجيد، لتحل عقدة من لسانه، وتسمع منه المئات من الحكايا عن بشر وأمكنة، تظن أنك على علم ودراية بها، لتجد نفسك تعيد اكتشافها من خلاله.

لا تستغرب إن سمعت حكيم يتحدث عنك بما لا تعرفه عن نفسك، حدث هذا معي، عندما تعرفت عليه لأول مرة في تونس، وكان قد عاد إليها من رحلة استغرقت 30 عاما، أمضى معظمها في سوريا، وزار خلالها بلدانا مختلفة، لو تفرغ للكتابة عنها، لفاق ما كتبه ابن بطوطة في رحلاته.

حرارة الحياة

أعمال مرزوقي تتسم بالقدرة على إقناع ذوائق متعددة مثل عمله “ذاكرة الرماد” المطبوع والمنشور في بروكسل باللغة الفرنسية، ومسرحية “لعي” باللهجتين التونسية والسورية.
أعمال مرزوقي تتسم بالقدرة على إقناع ذوائق متعددة مثل عمله “ذاكرة الرماد” المطبوع والمنشور في بروكسل باللغة الفرنسية، ومسرحية “لعي” باللهجتين التونسية والسورية

كيف لهذا التونسي أن يتحدث معي بلهجة أبناء اللاذقية، ويجيدها أفضل مني، ويقص علي حكايات تتعلق بشارع فيها يعرف بشارع “الأميركان”، ويذكر لي تاريخه، ويفاجئني بأن كنيسة هناك، كانت في الماضي بستانا يعرف باسم بستان “أبوصلاح”؟ والغريب أن أبوصلاح هذا هو والدي، الذي توفي منذ 45 عاما أو أكثر، وكدت أنسى هذه المعلومة.

وينطلق حكيم الراوي يحدثني عن بقال اسمه جورج صعلوكة، وعن زوجته، وأولاده، ومخزنه المليء بأصناف الجبن الفاخر، واللحم المقدد، ومختلف أنواع الويسكي والنبيذ المعتق، الذي يصعب تواجده في مكان آخر. ويصف لي المطاعم والمقاهي والخمارات التي يحفل بها الشارع.

ولا ينسى حكيم أن يحدثني عن منذر المصري، وهو شاعر ورسام وصديق قديم لديه مرسم في شارع “الأميركان”. ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، ففي جعبة حكيم مفاجآت أخرى، فهو يروي لي بدقة تفصيل عن عائلة المصري، فيتحدث عن أخت منذر الشاعرة مرام، التي تقيم حاليا في باريس، وعن ماهر المصري، الذي عاش فترة في الهند يبحث عن سر السعادة هناك.

ويذكرني بهواية منذر الأثيرة إلى قلبه؛ حبه للموسيقى. هذا العشق الذي حوله إلى جامع للأسطوانات قلّ مثيله. وكيف عرض عليه، عندما التقى به في الطريق مصادفة، أسطوانة، والفرح يعلو وجهه، قائلا له إنها تسجيل لحفل أحياه جيمس براون في تونس صيف عام 1975 على ركح قرطاج.

ولا يغيب عن حكيم أن يذكر لي تفاصيل عن طبق “سمك سلطان إبراهيم المقلي” وصلصة “الطرطور” التي يشتهر بها مطعم “سبيرو”، متطوعا بتقديم تفاصيل دقيقة عن تاريخ المطعم.

حكاية حكيم لم تكتمل إلا بعد أن فاجأني بأنه اعتاد الإقامة في نزل بشارع “الأميركان” كان يوما منزلا سكنت فيه مع أسرتي لفترة وجيزة، وكنت حينها في الثانية عشرة من عمري.

ما من صديق عرفته في سوريا، سواء في اللاذقية، أو دمشق أو حلب أو حمص أو منطقة الجزيرة وحماه إلا وعند حكيم أخباره.

هل من قبيل الصدفة أن يسير حكيم بعد ثلاثة عقود وأكثر على نفس الأرصفة التي سرت فوقها، ويشتري الخمر والسجائر واللحم المقدد والجبن الفاخر من نفس البقال، ويخالط أصدقاء الطفولة الذين جمعتني وإياهم ذكريات وشقاوات.

هل تصدقونني لو قلت لكم إن حكيم علم السوريين كيف يستخدمون لهجاتهم المحلية، وكان أول من استخدم لهجة سكان جبال الساحل السوري في عمل درامي؟

هذا الرجل، الذي يحدثك دون حرج عن معاناة والديه معه وهو طفل صغير، بسبب عادته في الكذب، واختراع القصص الخيالية، ووصفته معلمته يوما بـ”الباريسي الصغير”، كبر ليصبح راويا كبيرا، قادرا على أن يفتح عينيك، لترى العالم كما لم تره من قبل.

لنكتفي بهذا القدر من الحديث عن قدرات حكيم على التقاط التفاصيل، ونعرف بالمسرحي، والقاص، والشاعر، والراوي حكيم مرزوقي. الشقي الذي يحوم فجر كل يوم على خمارات البلد، يقتنصه ظرفاؤها ويقتنصهم.

مسرحيات، قصص، أفلام، مسلسلات، ساعات إذاعية، صحافة، مجموعات قصصية للأطفال، كلها بعض من إنتاج حكيم الضائع، رغم حصده لجوائز عالمية، وترجمة الكثير من أعماله للغات أوروبية.

صغار المبدعين يحرصون على توثيق أعمالهم، صغيرة كانت أو كبيرة، جيدة أو رديئة، وينتظرون مديح النقاد، جاهزون دائما بأقلامهم للتوقيع على أوتوغراف معجبين لم يقرِأوا لهم يوما. حكيم نموذج نادر من المبدعين، لم يكترث يوما ببذل أي مجهود للاحتفاظ بأعماله.

برفقة حكيم عادة لن تحتاج إلى غوغل، سيمدك بالمعلومة التي تحتاجها، أسرع من محرك البحث. ولكن عندما يتعلق الأمر بأعماله، انس حكيم واستعن بغوغل.

لا تحاول أن تكذب حكيم عندما يقول لك إن هناك أعمالا مسرحية قدمت له على المسارح العربية والعالمية، وهو كالزوج المخدوع آخر من يعلم. ولهذا السبب وقع السطو على الكثير من أعماله.

عندما عرضت عليه ما تمكنت من جمعه وتوثيقه عن أعمال، وقف مثل طفل صغير قبض عليه متلبسا بالجريمة، ولسان حاله يقول: هل هذا أنا حقا؟

كان حكيم صديقا للمثقفين وللطبقة الأرستقراطية في المجتمع الدمشقي، وحتى لا يقال إنه “يطير أفيالا”، كناية على الكذب، احترمت رغبته بالتحفظ على قائمة من الأسماء تجاوز عددها المئات.

بساط أحمدي

تونس تأكل لحم مبدعيها، وتقسو عليهم، ولا أحد يعرف لماذا تفضّل الترحيب بالغرباء؟ فهل ستنتظر تونس موت حكيم مرزوقي، كما انتظرت موت الشابي والصغير أولاد أحمد، لتحتفي بذكراه وتكرمه بعبارات باردة؟
تونس تأكل لحم مبدعيها، وتقسو عليهم، ولا أحد يعرف لماذا تفضّل الترحيب بالغرباء؟ فهل ستنتظر تونس موت حكيم مرزوقي، كما انتظرت موت الشابي والصغير أولاد أحمد، لتحتفي بذكراه وتكرمه بعبارات باردة؟

لم تقتصر تلك العلاقات على دمشق، بل شملت عواصم عربية وعالمية، وشخصيات تبدأ بمها عبدالوهاب، أجرأ من غنى في العالم العربي، إلى عبدالوهاب البياتي، الذي اتخذ من دمشق مكان إقامة له، وأفورقي، الذي كان رئيسا لإريتريا.

وكان حكيم قد أهدى الثورة الإريترية فيلم “الهدية” كتابة، ومشاركة في الإخراج، وحظي الفيلم باحتفاء كبير. وفي “بساط أحمدي” تنبأ بالإرهاب، وانتشار ظاهرة الجهاديين الأجانب في سوريا عام 2003، واستبعد النقاد حينها حصول ذلك، ولكنه مع الأسف حصل.

وقد تكون مسرحية “عيشة” التي عرضت عام 1996، وترجمت إلى اللغتين الألمانية والفرنسية، إلى جانب “إسماعيل هاملت” التي عرضت في لندن، وحصلت على جائزة أفضل نص، وجائزة أفضل إخراج عام 1997، من أهم الأعمال المسرحية التي قدمها مرزوقي. بل إن هاتين المسرحيتين، بشهادة كثيرين، من أهم الأعمال المسرحية العربية.

تلا ذلك عمل باسم “ذاكرة الرماد” المطبوع والمنشور في بروكسل باللغة الفرنسية، ومسرحية “لعي” باللهجتين التونسية والسورية، عرضت عام 2003، وقدمت في فرنسا مترجمة إلى الفرنسية بعنوان “بلا بلا بلا”.

ولحكيم مساهمات عديدة في عالم السينما، من أبرزها فيلم “المايسترو” بمشاركة المخرج نجدت أنزور، والمخرج محمد الدوامنة، وحصل الفيلم على جوائز عديدة، وهو من بطولة المبدع فايز قزق.

الوسادة الأبدية

أعمال مرزوقي حصدت جوائز عالمية، وترجمة الكثير منها إلى لغات أوروبية
أعمال مرزوقي حصدت جوائز عالمية، وترجمت الكثير منها إلى لغات أوروبية

في المهرجان الدولي للحكواتي، بمدينة مرسيليا الفرنسية، حصد عمل مرزوقي “الوسادة حكايتي الأبدية” الجائزة الأولى، إضافة إلى برامج إذاعية وأغان نالت نصيبها من الشهرة، ولكنه اختار ألا يضع اسمه عليها. وكان واحدا من المساهمين في “جريدة الدومري” التي أصدرها رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات، في فترة يشار إليها بربيع دمشق، الذي ثبت في ما بعد أنه ربيع عقيم لم يورق.

تجول في بلدان عديدة، وعمل مع قامات كبيرة، في المسرح والسينما، من بينهم البريطاني بيتر بروك، والفرنسي أوليفيه بي، والإيطالي المقيم في ألمانيا روبرتو تشيلو، ومع الفرنسية آرييل نوشيكن،

شهدت حياته تقلبات، تماما مثل شخصيته، وفي دمشق عمل زبالا، حتى يدفع إيجار غرفته، وأوكل إليه بعربة يسوقها حمار، عانى معه الأمرين، فهو لم يكن يعلم الكلمة السحرية، حااااااااء، التي تقال للحمار كي يتحرك من مكانه ويسير.

أسوأ الأعمال كان غسل الأطباق في مطعم ”سحلول“، حيث قام بغسل الملايين من الأطباق تحت درج، أجبره على حني ظهره، مما خلف له عاهة مستديمة، إلى أن أتاه الفرج وقابله هناك عازف الأورغ المصري الشهير مجدي الحسيني، فقدم له مبلغا من المال وطلب من أن يتخلى عن غسل الأطباق.

في الأيام الأولى لتعارفنا ظننت أن حكيم هجر العمل المسرحي، ولهذا كنت غاضبا منه، لأكتشف أنني مخطئ في هذا، حكيم يعيش 24 ساعة مسرح، سبعة أيام في الأسبوع، ثلاثين يوما في الشهر، 365 يوما في العام. معه ستشعر أنك في عرض مسرحي مبهر لا ينقطع. وكأنما أراد بذلك أن يؤكد انتسابه لمدينة الكاف، عاصمة المسرح والفن في تونس، والتي تعرف بمهرجانها السنوي، 24 ساعة مسرح.

أريد أن أختم بعبارة قالها الممثل والكاتب السوري الكردي لقمان ديركي، يصف فيها حال المثقف والفنان، وتحمل الكثير من الطرافة الممزوجة بالمرارة “نحن المثقفين والفنانين نعيش لاجئين بعيدا عن أوطاننا، إلا حكيم لاجئ في وطنه تونس”.

لماذا تأكل تونس لحم مبدعيها، وتقسو عليهم، مفضلة الترحيب بالغرباء؟ هل ستنتظر تونس موت حكيم، كما انتظرت موت الشابي والصغير أولاد أحمد، لتحتفي بذكراه وتكرمه بعبارات باردة؟

أطلقوا حكيم في تونس، قبل أن يخطفه الموت، ليعيد اكتشافها، ويقدمها إلى العالم كما لم يقدمها أحد من قبل.

9