"حلاوة الروح" محاكاة الانتفاضة السورية وتمويه الأسباب

الأربعاء 2014/08/06
المسلسل يحاول محاكاة الحال السوري بعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام على اندلاع الثورة السورية

دمشق- كادت تكون مقاربة الواقع ومحاكاته هي المقوم الأساسي الذي ارتقى بالدراما التلفزيونية السورية، إذ احتلت المسلسلات الواقعية مرتبة الصدارة قبيل 2011، ولا سيما بعد تجلي قدرة بعضها على طرح مقاربة أصيلة للواقع السوري حيث سلطت الضوء على المشكلات المجتمعية التي غزت سوريا آنذاك، إلا أنه وبقيام الانتفاضة السورية وُضع أمام هذا النوع من الدراما التلفزيونية تحدّ كبير تمثل في قدرتها على مقاربة واقع امتلأ بالمتناقضات والمحرمات الرقابية.

طرح زخم الواقع السوري رهانا كان على هذه الأعمال تجاوزه من خلال تقديم مقاربة أصيلة وحقيقية لما يجري على الأرض السورية.

ولكونه ينتمي إلى هذا النوع من الأعمال الدرامية، يحاول مسلسل “حلاوة الروح” تأليف رافي وهبي، وإخراج شوقي الماجري محاكاة الحال السوري بعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام على اندلاع الأحداث السورية.

ينطلق العمل من قصة شاب سوري “إسماعيل، مكسيم خليل” يسعى إلى تصوير فيلم وثائقي عن مجموعة آثار تحميها مجموعة شبان منشقة عن الجيش. يصطحب إسماعيل من بيروت “سارة، دانا مارديني” الفتاة السورية الطامحة إلى عمل إبداعي في ظل التفكك العائلي الذي تعيشه.

في المقلب الآخر نجد مجموعة الشباب المنشقين بقيادة النقيب “زياد، عبدالمنعم عمايري” تسعى جاهدة إلى حماية آثار البلد، لا سيما بعدما وجد هؤلاء بعيد انشقاقهم أن الثورة التي انشقوا من أجلها عن النظام صارت أدراج الرياح بعدما سيطرت المليشيات الإسلامية عليها، وتفشت فيها المجموعات الأصولية.

من جهة أخرى يصوّر العمل يوميات المجموعات الأصولية في سوريا بقيادة “أبو ربيعة، غسان مسعود” ملقيا الضوء بذلك على الخلافات السياسية والعسكرية في صفوف تلك المجموعات.

كذلك يحاكي العمل واقع الإعلام العربي في ظل الحدث السوري عبر شخصية “جمال، خالد صالح” الذي يشغل منصب مدير قناة إخبارية كبرى، تسعى جاهدة إلى نقل الحقيقة السورية.

مع تقادم الحلقات وتسارع وتيرة الحدث الدرامي تلتقي هذه البؤر وتتقاطع الخطوط الدرامية حينما تتمكن إحدى المجموعات الإسلامية من قتل المجموعة المنشقة باستثناء “زياد” و”إسماعيل” الذي يتمكن من الفرار، بينما تقع “سارة” والآثار في قبضة هذه المجموعة.

يكاد يستحيل إنتاج عمل درامي تلفزيوني يقارب كل تفاصيل الحدث السوري، ويحاكي الآن وهنا بشفافية، مقدما وجبة فكرية درامية دسمة

فيما بعد يتضح لدى أبو ربيعة أن سارة ما هي إلا ابنة جمال مدير كبرى القنوات الإخبارية العربية ممّا يدفعه إلى فتح مقايضة مع جمال بحيث يعيد له ابنته شريطة أن يبث حوارا مفصلا مع أبي ربيعة على الفضائية التي يديرها.

يخال لمن يرى الحلقات الأولى من العمل أنه يتجه بكليته نحو محاكاة الانتفاضة السورية، وتصوير سيرورة حياة شبان أحرار كلّ مسعاهم حماية آثار بلادهم في هذه الحرب الضروس، لكن مع تقدّم الأحداث في حلقات المسلسل تبدأ هذه الصورة بالغياب مخلية الساحة لتصوير حياة المجموعة الأصولية، بحيث يتحول موضوع المقايضة بين أبي ربيعة وبين جمال مدير المحطة إلى موضوع أساسي تدور حوله جل الأحداث، زد على ذلك الدور “الرامبوي” الذي يقوم به “إسماعيل” في تتبع أثر سارة، كذلك غياب أي دور للنظام كطرف فاعل في الحرب باستثناء اعتقاله لزياد واعتباره منشقا عن الجيش.

يضاف إلى ذلك النسق البطيء الذي يحكم أحداث العمل، فبالرغم من زحمة وزخم الحدث في سوريا اليوم، نجد أن العمل يعتمد على “المطمطة” إذ لا يتم اللقاء بين “جمال” و”أبي ربيعة” إلا بعد مرور أكثر من سبع حلقات، ما يطرح تساؤلا مفاده، ما الداعي من إطالة الحدث الدرامي في طريقه للذروة، في الوقت الذي تحتشد فيه الأحداث في الواقع السوري؟ أما كان حريا بصناع العمل بدلا من ملء الحلقات الثلاثين بهوامش درامية لا طائل من وجودها، أن يقاربوا موضوعات أخرى يزخر بها الحدث السوري اليوم؟

على صعيد الإخراج ينجح صاحب “الاجتياح” في تقديم مشهدية متماسكة، انطلاقا من تصميم الديكور الذي يقارب الدمار الحاصل إلى حدّ كبير، ومرورا بتصوير المعارك وانتهاء بضبط أداء الممثلين حيث يمتاز الأداء في العمل بحرفية واضحة سواء من جيل الشباب أو الجيل الذي يفوقهم عمرا.

يكاد يستحيل إنتاج عمل درامي تلفزيوني يقارب كل تفاصيل الحدث السوري، ويحاكي الآن وهنا بشفافية مقدّما وجبة فكرية درامية دسمة، لكن في ذات الوقت يتوجب على الأعمال الدرامية التي تطرح نفسها كمعادل تلفزيوني للواقع أن تقارب الجواهر لا الأعراض كما اقترف “حلاوة الروح”.

16