حلا شيحة.. فنانة مصرية تتزوج داعية وتعتزل في صخب

الفنانة حلا شيحة نجمة تثير المخاوف من موجة جديدة لأسلمة الفن.
السبت 2021/07/31
عشق للفن يقتله المزاج المتقلّب

اتسعت خلافات الفنانة المصرية حلا شيحة مع الكثير من زملائها وزميلاتها في الوسط الفني، وتحول قرار اعتزالها التمثيل مؤخرا إلى كرة ثلج تكبر كل يوم وتضرب في اتجاهات مختلفة، لم يسلم منها والدها الفنان التشكيلي أحمد شيحة، ولا نقيب الممثلين أشرف زكي أو الفنان تامر حسني، وتجاوزت تبعات الاعتزال المدى المباشر والخاص بزواجها من الداعية الإسلامي معز مسعود وإقناعه لها بارتداء الحجاب وترك المجال الفني.

حفلت رحلة شيحة بالعديد من المطبات الاجتماعية والدينية، وكشفت عن تناقضات في حساباتها الفنية وارتباكات في شخصيتها، وهي التي تربت في بيئة فنية غنية، فوالدها أحد كبار الفنانين التشكيليين في مصر، وشقيقتها الممثلة هنا شيحة، وعشقت الفن مبكرا وأسهمت بأدوار كثيرة في إطار واسع من الرومانسية والحب منذ عشرين عاما، وقررت الاعتزال والحياة في كندا بعد زواجها الثاني وأنجبت ثلاثة أطفال، ثم جرفها الحنين للتمثيل فعادت منذ عامين وبدت فجأة غير مقتنعة به بعد اقترانها بمسعود.

لم يطل هذه المرة استمرارها في التمثيل واتخذت قرارها بتركه بعد أيام قليلة من انتهاء تصوير دورها في فيلم “مش أنا” ودون سابق إنذار قررت الاعتزال، الأمر الذي جعل الهواجس تلاحقها، حيث كانت طوال فترة التصوير متعاونة مع جميع من شاركوها في العمل ولم تظهر أيّ نوايا لعدم مواصلة رحلتها الفنية.

مزاج متقلّب

قصة المشاهد المرغوبة والممنوعة والمحذوفة من الأفلام ترتبط بشخصية شيحة التي قادتها دروبها في النهاية إلى إشعال مواقع التواصل الاجتماعي في معركة الفن والحرية في مواجهة التحريم والاعتزال.
قصة المشاهد المرغوبة والممنوعة والمحذوفة من الأفلام ترتبط بشخصية شيحة التي قادتها دروبها في النهاية إلى إشعال مواقع التواصل الاجتماعي في معركة الفن والحرية في مواجهة التحريم والاعتزال.

خلال فترة زمنية قصيرة تعد بالأيام أو الأسابيع تعرفت على معز مسعود الذي أقنعها بعدم جدوى استمرارها في الفن، فاستجابت له على الفور ولم تمنح نفسها فرصة للتفكير والخروج الآمن.

 مرت حياة شيحة بمراحل مختلفة للصعود والهبوط والعكس، عنوانها الرئيسي يكمن في التذبذب الذي أدى إلى عدم قدرتها على تحديد خياراتها بدقة، وجعلها عرضة للتقلب في مزاجها وتغيير مواقفها من عشق الفن إلى كراهيته إلى حد التحريم، وتقمص دور الداعية والناصحة والحارسة لمكارم الأخلاق بين زميلاتها وحضهن على التوبة والابتعاد عنه.

كان خلافها مع الفنان تامر حسني الذي شاركته بطولة فيلم “مش أنا” المعروض حاليا في بعض دور العرض المصرية والعربية واهيا في مجمل التطورات، لكنه بدا صاخبا أيضا لدرجة توحي بالرغبة في افتعال معركة لهدف ما، لأن حجتها خلت من المنطق وآدابه، حيث اعترضت على بث حسني لأغنيات جمعتهما على موقع يوتيوب هي ذاتها التي تضمنها الفيلم ولم تعترض عليها في حينه.

دخلت قصة المشاهد المرغوبة والممنوعة والمحذوفة في دروب فنية وأخلاقية ممتدة، قادت في النهاية إلى اشتعال الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسام شريحة من روادها إلى مجموعة مؤيدة لحسني وأخرى تقف في صف الدفاع عن شيحة، وأخذ كل طرف على عاتقه تقديم تفسيرات وتبريرات لموقفه ودعم الفريق الذي يؤيده، وأصبحت المعركة: الفن والحرية في مواجهة التحريم والاعتزال.

أعادت قضية شيحة وملابساتها الجدل السابق حول اعتزال البعض من الفنانات في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، حيث أعلنت ممثلات وراقصات كثيرات الاعتزال وهن في قمة وهجهن، وتبين أن هناك قوى إسلامية نشطت في هذا الفضاء بغرض نشر ثقافتها والترويج لخطابها العاطفي بين الناس، لأهمية التأثير الاجتماعي الكبير لاعتزال الفنانات والفنانين والصدى الإعلامي الذي يحدثه التخلي عن الشهرة.

الداعية والفن

بعض النقاد يرى أن زواج شيحة من الداعية معز مسعود واعتزالها الفن ينطوي على ملامح صفقة غير معلومة لا علاقة لها بالأجندات السياسية.
بعض النقاد يرى أن زواج شيحة من الداعية معز مسعود واعتزالها الفن ينطوي على ملامح صفقة غير معلومة لا علاقة لها بالأجندات السياسية.

ذهبت الموجة الأولى بكل ما حوته من صخب، وشملت شمس البارودي وسهير البابلي وشهيرة ونجوى إبراهيم وصابرين وعبير صبري وغيرهن، وعاد بعضهن إلى التمثيل واستمرت أخريات في الاعتزال، ثم ظهرت موجة ثانية بدت أقل صخبا، فردية وعشوائية، في العشرية الأولى من القرن العشرين، وكانت حلا شيحة وميار الببلاوي من أكثر الأسماء التي تركزت عليها الأضواء.

 ربط الكثيرون الموجة الأولى بتيار أراد أسلمة المجتمع وتطبيق معاييره من خلال البدء بالفن، بينما جاءت الموجة الثانية وفقا لاجتهادات شخصية في معظم الأحيان ولم تكن على علاقة مباشرة بتيار منظم، لكن في الموجتين ظهر نجم بعض الدعاة الجدد أو “الموديرن” الذين جذب خطابهم شريحة كبيرة من الشباب ودغدع مشاعر الفتيات.

يعتبر بعض النقاد أن زواج شيحة من الداعية معز مسعود واعتزالها الفن ينطوي على ملامح صفقة غير معلومة ويبدو أنه ليست له علاقة بمكوّنات أو أجندات سياسية محددة، فالرجل أنتج أعمالا فنية في الدراما مثل حلقات “خطوات الشيطان” بمشاركة الكثير من النجوم، وفيلم “اشتباك” بطولة نيللي كريم.

عاصفة اعتزال شيحة لم تهدأ ارتداداتها فنيا واجتماعيا وسياسيا، إذ فتحت الباب للتمعن في الأهمية التي يمثلها الفنان أو الفنانة في المجتمع وخطورة الدور الذي يقوم به في الفضاء العام

أشارت هذه النوعية من الأعمال إلى أن مسعود لديه مروحة ثقافية وفنية قادرة على استيعاب الاختلاف، غير أن مضمون العملين يصب في بوتقة العمل الاجتماعي الذي لا يخلو من أهداف بعيدة، فهما يؤكدان على أن مصير البشر واحد، وهي فكرة لامعة، ومحتواها يضم معاني دينية تنسجم مع السياق الذي يعمل في إطاره مسعود.

بصرف النظر عن الدخول في النوايا والحقيقة والخرافة ودرجة الغموض والوضوح في الفكرة التي يتبناها مسعود، فغرامه بالزواج من فنانات وشهيرات كان لافتا، حيث تزوج ثلاث مرات، ما يعني أن له حسابات خاصة ومزاجية في هذا الأمر، ربما لم ينتبه الكثيرون إلى ذلك عند زواجه من الفنانة شيري عادل التي لم تستمر معه طويلا، إلى أن جاء زواجه من شيحة ونكأ بعض الجراح المكتومة التي قد تخرجه من زمرة الداعية المستقل إلى الداعية المسيّس الذي حاول تجنبه.

خرج هذا التحول في التقديرات من رحم الضجة التي أحدثتها حلا عقب الزواج منه مباشرة، فلم تر غير منهجه للحياة ووقعت في غرامه سريعا، حتى دخلت في فاصل طويل من الفتاوى التي دفعتها إلى التشدد في مسألة تحريم الفن، وهو الخطاب الذي تجاوزته مصر بعد سقوط حكم جماعة الإخوان وتقويض التيار الإسلامي عموما، لذلك لم يتعامل البعض مع فتنة حلا وتامر باعتبارها أزمة فنية أو خلافا عابرا يتعلق بعمل طرحت حول تفاصيله رؤى مختلفة.

يخشى هؤلاء أن يكون حجاب شيحة للمرة الثانية مقدمة لموجة ثالثة من اعتزال بعض الفنانات، أو إشارة إلى إحداث زوبعة على التمثيل في مصر الذي عاد يشق طريقه للرواج بعد أن تحولت الدراما والسينما إلى سلاح في يد الدولة تهاجم به الإخوان والقوى المتشددة وتفضح به الكثير من الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الماضية، وهو ما كانت له تداعيات إيجابية لتعظيم صورة أجهزة الدولة في مواجهة التيار الإسلامي بكل أطيافه، وكشف جوانب مهمة في زيف خطابها المراوغ.

ارتباكات نفسية

 سواء أكانت شيحة مشاركة في مخطط خفي بالتعاون مع مسعود أم لا، بهدف التشويش على توظيف الفن في خدمة السياسة، ففي الحالتين يجب التفكير في الفرضية التي يمكن أن تصطحب معها تداعيات الفترة المقبلة لأن الطريقة التي أدارت بها الفنانة المعتزلة الأزمة بمشاركة زوجها تثير الانتباه، فالخلاف لم يكن يستدعي تضخيمه بصورة أدخلت على خطوطه العديد من الجهات.

ما يلفت الانتباه أيضا في التصعيد أن الفنانة تطاولت على والدها في بعض التعليقات التي أرادت فيها الدفاع عن زوجها عندما عاتبها على قرار اعتزالها وطالبها بالعودة عنه، ثم عادت واعتذرت له من دون أن تنصاع لنصائحه أو تستمع إليه جيدا، فكلامه حوى إشارات ناصعة بعدم جدوى الطريق الذي اختارته.

تكمن الأزمة في شخصية شيحة وما تحمله من تعقيدات في التعامل مع الحياة بكل جوانبها بما فيها نظرتها إلى الفن وقاموسه الأخلاقي، حيث تبدو سريعة التحول من النقيض إلى النقيض، بدليل اعتزالها ثم العودة إلى التمثيل ثم الاعتزال مرة ثانية، وغير مستبعد أن تنهي القطيعة الجديدة ويستيقظ داخلها حبها للفن عندما يصل زواجها من  معز مسعود إلى طريق مسدود كسابقاتها أو تكتشف سوء اختيارها.

قرار شيحة بترك الفن وارتداء الحجاب يعيد الجدل السابق حول بعض الفنانات اللائي أعلنّ الاعتزال وهن في قمة وهجهن، ويبين أن هناك قوى إسلامية نشطت في هذا الفضاء بغرض نشر ثقافتها والترويج لخطابها بين الناس. ويخشى أن يكون حجاب شيحة إشارة إلى إحداث زوبعة حول التمثيل في مصر الذي عاد يشق طريقه للرواج

كما أن ردودها على صفحاتها الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي ودفاعها عن موقفها ظهرت عليه علامات تردد وارتباك تبين ارتفاع مدى القلق من الزواج والاعتزال، فهي تبدو غاضبة من الفن ورافضة لبعض مشاهدها في فيلم “مش أنا” ولم تفكر في رد الأموال التي حصدتها، حيث طالبت بمستحقات متأخرة لها لم تتسلمها، وهو ما ردت عليه الشركة المنتجة بتوضيح مفاده أنها أموال بسيطة تم خصمها لعدم إنجاز كل المهام الفنية المطلوبة منها.

قلل ارتفاع مستوى التناقض في خطاب الفنانة المعتزلة من مساحة التعاطف معها التي صاحبتها في العزوف الأول قبل سنوات لأنه مرّ بهدوء عكس المرة الثانية التي جاءت صاخبة، وأدى هذا الشعور إلى الكف وعدم التمادي في مواصلة الاشتباك على المنصات الافتراضية مع الفنان تامر حسني الذي كانت ردوده متزنة ومكتفية بتوضيح الجانب الخفي من الصورة وحرص على امتصاص غضبتها.

عاصفة اعتزال شيحة لم تهدأ ارتداداتها فنيا واجتماعيا وسياسيا، إذ فتحت الباب للتمعن في الأهمية التي يمثلها الفنان أو الفنانة في المجتمع وخطورة الدور الذي يقومان به وانعكاسات ذلك على مناحي متباينة في الفضاء العام، والتي تتخطى الحدود الشخصية المعروفة لأن الجمهور يرى في الفنانين قدوة، ما يعني أن مغادرة الفن من الباب الذي ولجته حلا سيكون محل نقاش مستمر، فالقضية لن تتوقف عندها ويمكن أن تمتد ويعاد تكرارها مع آخرين مصحوبة بكل الأسئلة التي ترافقها والمسكوت عنها.

إذا كان من حق الفنان أو الفنانة الاعتزال بقطع النظر عن الدوافع التي تقودهما إلى هذا الخيار، فإنه من المهم ألا يحمل أغراضا سياسية أو اجتماعية أو مآرب خفية، وهو ما يثير الشكوك في حالة حلا لأن حرصها على خوض معركة الاعتزال بضراوة يفتح بابا للشبهات وقد لا يكون بريئا من حيث توقيته وطريقته والأجواء التي تم فيها.

12