حلب… بين إرهاب الأسد وصلف موسكو

السبت 2016/04/30

رغم استمرار سريان اتفاق وقف الأعمال العدائية برعاية دولية، تجرأ النظام السوري، على مدار الأسبوع الماضي، على شن سلسلة من الغارات الجوية المرعبة على مدينة حلب، استهدفت بصورة خاصة المدنيين والمشافي الطبية؛ لا يدع هذا السلوك الإجرامي أي مجال للشك في أن نظام بشار الأسد قد أصبح، منذ زمن بعيد، محكوما بالحرب وكأنه آلة قتل عمياء، لا يمكن إيقافها بقرار عقلاني، وإنما فقط بتحطيمها.

استدعت تلك الحقيقة أن تطلب الولايات المتحدة من روسيا، الحليف الأقوى لنظام الأسد، “لجم” آلة القتل تلك واحتواء إرهابها الموجه ضد المدنيين والمنظمات الطبية. ذلك أن خيار تحطيم النظام وتخليص المدنيين من شروره غير مطروح ضمن الأجندة الحالية لواشنطن. الحقيقة أنه لم يكن خيارا مطروحا منذ بدء الثورة في العام 2011 حتى يطرح اليوم مع تنامي قوة روسيا وتحوّلها إلى لاعب رئيسي على المستوى الدولي.

ففضلا عن “طبيعة” النظام السوري الرافضة للتسوية والمندفعة للإبادة، كانت “روسيا الجديدة” أحد أهم أسباب استمرار النظام السوري كآلة قتل عمياء بلغت طاقتها المثلى. أبانت موسكو عن وجه جديد على الصعيد العالمي بعد سقوط نظام معمر القذافي، إذ تخلت عن سياسة النأي بالنفس من خلال الامتناع عن التصويت في جميع القضايا الدولية الخلافية، وراحت تستسهل استخدام حق النقض الفيتو في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وقد توجت هذا التحول اليوم بأن أصبحت عرّابة التسوية المأمولة للحرب السورية، وذلك بعد أن فرضت شروطها جزئيا على مؤتمر جنيف، وكأنها بدأت تجني ثمار عنادها وصلفها اللذين تواصلا خلال السنوات الماضية.

وطالما تبدّى ذلك الصلف الإمبريالي الروسي في سوريا بوقوف موسكو كعقبة كأداء وقاتلة أمام طموحات التغيير الديمقراطي لدى السوريين. ويتبدّى اليوم بصورة فجّة مع تغطيتها لجرائم النظام السوري ضد المدنيين، حتى في ظل إعلان التزامها بالتسوية السياسية وباتفاق وقف الأعمال العدائية.

وكأن التغطية الروسية على مجازر الأسد تريد تثبيت صورة تقول بانتصار “الخيار الروسي” في سوريا، بما هو صلف وعناد في دعم نظام الأسد حتى وهو يبيد المدنيين من خلال قصف المشافي والمخابز والأسواق في مناطق المعارضة.

إصرار روسيا على دعم النظام السوري، يفصح عن أن الظرف لم ينضج بعد سوى للمفاوضات وليس لتطبيق التسوية السياسية التي صيغت في القرار الأممي 2254

لقد كانت روسيا خلال الأسابيع الماضية التي شهدت انعقاد جولات التفاوض في مدينة جنيف تميل نحو إبداء نوع من التوازن. فامتنعت عن إطلاق تصريحات مباشرة داعمة للنظام السوري كان لها أن تزيد من تصلبه. وهو ما فُهم، حينها، على أنه دعم للحل السياسي المأمول، والذي بات ناجزا ببنوده وتفاصيله المعقدة بالتوافق مع الجانب الأميركي.

لكن صبر موسكو يبدو أنه يتجه نحو النفاذ بسرعة، إذ لم تعد تقوى على احتمال قناع التوازن والحياد الذي ارتدته بحذر خلال جولات مفاوضات جنيف، وما لبثت أن أزاحته في أعقاب انسحاب الهيئة العليا للمفاوضات، لتعود في خطابها الدبلوماسي إلى اعتبار المعارضة كلها متشددة، وطلب إدراج كل من جيش الإسلام وحركة أحرار الشام على لائحة الإرهاب. كما يبدو أنها عادت بسلوكها أيضا إلى المربع الأول، حيث من المرجح أن يكون تصعيد نظام الأسد للقصف الجوي على مدينة حلب قد تمّ بالاتفاق معها، إن لم يكن برغبتها.

روسيا شاركت بجدية كبيرة في التحضير لمفاوضات جنيف، لكنها كانت تراقب عن كثب التطورات العسكرية على الأرض، وقد كانت خلال الأشهر الماضية تصب في صالح حليفها، بل وساعدت على وصوله إلى الوضعية الحالية المتماسكة. وما من شك، في أن قوة النظام وحلفائه الطائفيين، قد جعلت موسكو غير متعجلة في الضغط عليه للقبول بالحل السياسي، إذ لا يمكن أن تتعامل مع حليفها اليوم، كما لو أنه يعيش مرحلة انهيار كتلك التي عصفت به قبل تدخلها نهاية العام الماضي.

في حال لم تكن هنالك توافقات روسية – أميركية سرية بشأن الحل في سوريا، فمن المرجح أن يفتح الباب مجددا لنقاش الاستراتيجيات الأميركية البديلة للدفع نحو الحل السياسي في سوريا، ومنها خيارات عسكرية محدودة، لا تهدف إلى تحطيم آلة القتل، أي النظام السوري، بقدر ما تهدف إلى إجبار روسيا على لجمها وإعادتها إلى المفاوضات بصورة أكثر جدية. وقد يكون إرسال الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخرا لـ250 عسكريا أميركيا إلى سوريا، فضلا عن إرسال بطاريات صواريخ إلى تركيا، قد أتى في هذا السياق.

بات من المؤكد أن نهاية الحرب السورية، وفقا لموازين القوى القائمة، سوف تكون عبر الحل السياسي في مفاوضات جنيف، كما يبدو أن الظرف الدولي قد نضج بصورة كافية للدفع بهذا الاتجاه، ولكن إصرار روسيا على دعم مواقف النظام العدمية وممارساته الدموية، ربما يفصح عن أن الظرف لم ينضج بعد سوى للمفاوضات، وليس لتطبيق بنود التسوية السياسية التي صيغت في قرار مجلس الأمن 2254.

كاتب فلسطيني سوري

8