"حلب.. النقطة الصفر" وثيقة بصرية تختزن لحظة ما قبل الموت

خمس عشرة صورة جدارية تتوسط حي “الكانزيام” في العاصمة الفرنسية باريس، الصور بقياس (2×3 م) موزعة على الجدران الخارجية لبناء “بيت الصحفيين”، لتكون القسم الأول من معرض الصور الفوتوغرافية “حلب.. النقطة صفر” للمصور الصحفي السوري مظفر سلمان، أما القسم الثاني فهو داخل بناء بيت الصحفيين، حيث ينقل سلمان تفاصيل مدينة حلب الثائرة في وجه النظام السوري.
الخميس 2015/06/25
الجانب الخارجي من المعرض يقدم صورا للفعل الثوري

أثناء الطريق إلى برج إيفل يقف المارة من الغرباء عما يحدث في سوريا لتأمل “لوحات” المصور الصحفي السوري مظفر سلمان الضخمة عن حلب.

المفاجأة، أن سلمان لا يصوّر الموت كما هو متوقع من معرض صور عن سوريا، فما يقدمه بعيد عن الصورة الصحفية التي تهدف إلى نقل المعلومة أو تداول المأساة وجلب الاستعطاف والشفقة، نحن أمام حضور إنساني، أمام البشري الذي يحاول الحفاظ على وجوده وتماسكه أمام ترسانة الموت والحديد، يلتقط سلمان لحظات عفوية، يحضر فيها السلاح أحيانا وأحيانا الأدوات البسيطة، مشط، مرآة، طاولة، مقعد..

المعرض يستدعي اللحظة التي سمي المعرض على اسمها، “نقطة الصفر” حيث كانت مركز قيادة الجيش الحر في حلب، النقطة التي تجمع فيها الثوار للوقوف بوجه النظام، هناك حسب افتتاحية المعرض يقول سلمان أنه التقى سوريين من مختلف الأطياف، عمال، فلاحين، طلاب فلسفة، طلاب طب، نقطة الصفر كانت تكثيفا لما يمر به الشعب السوري بمواجهة النظام.

في المنطقة صفر كانت الأبنية متصلة بعضها ببعض عبر حفر ضمن الجدران ليتمكن السوريون من التنقل بين المنازل دون التعرض لخطر قناصة النظام، فـ”الضوء يعبر الشباك.. إلى جانب الرصاص”، هذه الكلمات تختزل فكرة المعرض، وكأن الصورة وثيقة تختزن لحظة ما قبل الموت، ما قبل الرصاصة، في تحد لضمير الإنسانية وصرخة بوجه الصمت تجاه ما يحدث في سوريا، خصوصا في ظل صعود التيارات المتشددة التي تساهم في القتل أيضا.

سلمان لا يصور الموت كما هو متوقع من معرض صور عن سوريا، بل يلتقط لحظات عفوية نابضة بالحياة

الفعل الإنساني حاضر دائما في صور سلمان، فأي وجود لسوري ضمن الكادر هو حضور للفعل، تدخين، هروب، صراخ، الثبات يعني الغياب والتحول إلى أيقونة غير فاعلة، وهذا ما نراه في أحد اللوحات التي تحوي كتبا مدرسية، تكوين الصورة الذي يغيب عنها الإنساني يجعلها أقرب للمأساوية، إلّا أن حضور الإنساني في باقي الأعمال يجعل حيوية ما هو فاعل تنتقل للمشاهد، وكأن الصورة استمرار للفعل الثوري، أي فعل على بساطته وعفويته هو وقوف بوجه الموت الذي يفرضه النظام، فرغم الخسارات يبقى الحضور البشري منتصرا بمواجهة آلة الموت.

لا يقدم سلمان صورا لضحايا، ففي المعرض نجد أنفسنا أمام من يقفون بوجه الموت، أمام الصارخين بالحرية، هم ليسوا مقهورين، للحرية ثمن لا بدّ من دفعه، نقطة الصفر هي نقطة الحسم، هي اختزال لفضاء سوريا الثورة، مدينة حلب التي تشهد الويلات حتى الآن مستمرة في نضالها.

وسلمان التقط خضم اللحظة الإنسانية للسوري المهدد بالموت، الصامد بوجه تآمر قوى القمع على حياته من جهة وعلى حريته كإنسان من جهة أخرى، يقاتل نهارا وليلا يدخن سيجارته بصمت تحت زفير الموت، كما يبدو في إحدى الصور.

ومظفر سلمان مصور صحفي من مواليد مدينة حمص 1976، عمل على تغطية الثورة السورية من حلب إلى جانب عمله مع العديد من وكالات الأنباء العالمية كـ”أسوشيتد بريس” و”رويترز”، وهو مقيم حاليا في فرنسا منذ العام 2014.

16